هذا ما تفعله تطبيقات الذكاء الاصطناعى - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2026 9:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

هذا ما تفعله تطبيقات الذكاء الاصطناعى

نشر فى : الأحد 9 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأحد 9 أغسطس 2026 - 7:32 م

الجميع يكتب، ولكن... إلى أين يتجه العالم فى ضوء هذا التخبط العشوائى على مستوى النشر المباح يمنة ويسرة على المنصات وتفاصيل الجدران الرقمية؟! هذا التحول فى طبيعة المعرفة من مسار يبنى عبر الجهد إلى محتوى ينتج ويستهلك بسرعة يطرح أسئلة جوهرية تحتاج بالتأكيد إلى إجابات مناسبة ومفتوحة.

ما نشهده حاليا أن استخدام الذكاء الاصطناعى أتاح لكل من يملك جهازًا الكتابة والنشر، وإذا كانت الكتابات الفيسبوكية وعلى شبكات التواصل فوضوية بامتياز، فقد أتاحت تطبيقات الذكاء الاصطناعى الآن المجال بشكل مكثف لكل من يريد أن يكتب مهما كان المجال. ولكن على من يكتب أن يكون مستوعبا لما يكتب وأن يعرف حدود معرفته حيال ما يولده من نصوص؛ إذ ثمة فارق جوهرى بين المعلومة التى تستدعى، والمعرفة التى تبنى، والفهم الذى يترسخ، فالتوليد شائع بغض النظر عن الهدف من الكتابة.

عندما يتناول أشخاص لا يمتلكون المصدقية مفاهيم خارج نطاق معرفتهم، تتكرس العشوائية بوصفها الإطار الحاكم، وتتراجع جودة النصوص، سواء أكانت إعلامية أم أكاديمية معرفية، مع التأكيد أن المسألة تتعلق بوعى الاستخدام لا برفض الأداة، وبذا لا يمكن ترك ما يحصل من دون وعى نقدى يضبط استخدامها من ضمن حدود الفهم والقدرة على الحكم والتأكد من صوابيتها فكريًا ومعرفيًا وتجريبيًا.

فالكاتب الذى يمتلك مسارًا معترفًا به فى مجاله، والأديب المعروف بأدبه، والباحث المتمرس فى حقله، يحملون رصيدًا يمنح القارئ نوعًا من الثقة حتى عندما يكونون قد استخدموا وجربوا التطبيقات أو استعانوا بها. أما من لا يمتلك هذا الرصيد وبات يستعين بتطبيقات الذكاء الاصطناعى ليملأ الفراغ، فإنه يخسر صدقيته ويسهم فى تشويش المجال بمجمله بسبب إنتاج نصوص منفصلة عن التجربة الفعلية.

آلية الوهم الدماغى

ولمقاربة هذا السؤال، ثمة ظاهرة يمكن تسميتها بالتضخم المعرفى الوهمى؛ حيث ينشأ لدى الفرد إحساس بأنه يمتلك معرفة واسعة نتيجة إحساسه بأنه راكم هذا الكم من المعلومات التى ينسبها لنفسه، فى حين تبقى هذه النصوص سطحية، وغير قائمة على فهم عميق أو خبرة حقيقية فى سياق تضخم تقدير الذات المعرفية مقابل هشاشة الفهم الفعلى.

ولعل أعمق ما يكشفه هذا التضخم أنه يقوم على تراكم من دون تمثل ذهنى، إذ يواجه الفرد كمًا كبيرًا من المعلومات من غير أن يواكب ذلك أى فهم داخلى حقيقى أو قدرة على الاستيعاب، فتبدو المعرفة غنية فى شكلها، لكنها هشة فى بنيتها نتيجة اختصار المسار المعرفى وفصل المعرفة عن التجربة.

ويزداد الأمر انكشافًا مع التضخم اللغوى؛ حيث تستخدم مصطلحات كبيرة ومفاهيم معقدة من دون القدرة على ضبط معناها أو توظيفها فى سياق محدد، فتتحول المفاهيم إلى أدوات للإيهام بدلا من أن تكون أدوات للفهم، ويتكون بذلك شعور مريح وخادع بالامتلاك المعرفى.

غير أن هذا التضخم ليس تقنيًا فحسب، إذ يرتبط بأسس ذهنية تحكم علاقتنا بالمعرفة. فالإجابات الجاهزة تولد شعورًا بالإشباع النرجسى، ما يعنى أن هذه الممارسات تناسب ميل العقل بطبيعته إلى تفويض الجهد المعرفى إلى الأداة بدل ممارسته، فيتشكل وهم السيطرة على المعرفة.

وعند الانتقال إلى المستوى العصبى، تتضح آلية هذا الوهم. فالفهم الفعلى للمعنى لا يبنى على نتائج وأجوبة خالصة كما يعتقد، لأن المعنى يتشكل أيضا من جراء البحث عن الأجوبة، حيث تقوم عملية التعلم على نشاط متكرر ومتدرج، معرض للخطأ وللصواب، تترسخ الروابط بين الخلايا العصبية وتتشكل بنية معرفية مستقرة.

أما عندما يعطى الجواب بالمجان ذهنيًا، فلا تتفاعل الاشتباكات العصبية الضرورية لاختصار المسار التجريبى، إذ تبقى المعلومة مارة مرورًا عابرًا من دون أن تترك أثرًا فى الذاكرة يمكن استدعاؤه لاحقًا.

ومن جهة أخرى، تضطلع الجهة التى يسمونها «الخلايا النجمية» بدور مهم، وهى خلايا داعمة فى الدماغ تنظم قوة الاتصال بين الخلايا العصبية وتدعم انتقال الإشارات فى ما بينها، وتسهم فى تثبيت المسارات العصبية فى أثناء التعلم. وتتفاعل هذه الخلايا بصورة أقوى مع حالة السؤال لا مع تلقى الجواب، فالسؤال يفرض نشاطًا متدرجًا يبنى مسارات مستقرة، أما الجواب الجاهز، فإنه يولد نشاطًا لحظيًا سريع الانكفاء لا يترك أثرًا يذكر فى الشبكة العصبية.

الجوهر فى المعرفة لا فى الأداة

بالعودة إلى السؤال الأساس، إلام تقود هذه العشوائية إذا لم نكن على وعى بالأداة، تطبيقًا ومفهمة؟ ستؤدى هذه العشوائية إلى ظهور أجيال تجيد استدعاء المعلومة من دون القدرة على نقدها أو اختبارها؛ حيث تبقى المعلومة فى مستوى الاستدعاء من دون أن تتحول إلى معرفة أو تبنى كفهم، هذا أولا. ثم ستقود إلى خطاب عام تتضخم فيه المفاهيم وتتراجع القدرة على التمييز بين الصالح والطالح بفعل تداخل المستويات بين اللغو والمعنى. كما ستؤدى إلى مؤسسات إعلامية وأدبية تنتج كثيرًا ولكنها قليلًا ما ستبنى وتراكم معرفيًا نتيجة تغليب الإنتاج على البناء المعرفى التراكمى.

انطلاقًا من ذلك، فقد وجد هذا التدهور تعبيره الشعبى فى مفهوم «تعفن الدماغ»، الذى بات يتداول فى الثقافة الرقمية للإشارة إلى ذلك التآكل التدريجى فى القدرة على التفكير العميق جراء الاستهلاك الرقمى المتواصل.

فى المقابل، تبلغ هذه العشوائية خطورتها القصوى فى البحث العلمى، ففى الإعلام والأدب يمكن للقارئ أن يميز. أما فى البحث العلمى، فإن المعرفة الوهمية تتراكم فوق بعضها بعضًا ويستشهد بها ويبنى عليها، فتتحول أخطاء التضخم إلى أسس عشوائية يستند إليها معرفيًا فى سياق تضاعف الوهم عبر التراكم والاستشهاد. والأخطر من ذلك أن هذا النمط يضعف بالتدريج القدرة على طرح الأسئلة ذاتها نتيجة الاكتفاء بالإجابات الجاهزة، فالذكاء الاصطناعى يشبع الفضول قبل أن يتحول إلى تفكير، وهذا ما يغلق باب التفكير قبل أن تبدأ عملية الفهم.

ولا يقتصر الأمر على الإنسان، إذ باتت تطبيقات الذكاء الاصطناعى تعتمد فى تدريبها على نصوص مولدة بدلا من نصوص بشرية أصيلة، فتبدأ جودة مخرجاتها بالتراجع جيلا بعد جيل بفعل تغذية النماذج بنتائج قائمة على البنية الوهمية نفسها. فالأخطاء الأولى تصبح مادة التعلم الآلى، والتشوهات تتراكم وتتضخم، حتى يغدو الأنموذج يغذى نفسه بوهمه. وهذا ما يعرف فى أدبيات الذكاء الاصطناعى بانهيار الأنموذج، وهو ليس احتمالا نظريا بقدر ما هو مسار يسير فى اتجاهه كل نظام يفقد اتصاله بالمصادر البشرية الأصيلة بوصفه نتيجة مباشرة لقطع الصلة مع التجربة البشرية. وعليه، فإن التضخم المعرفى الوهمى لا يلحق الضرر بالإنسان وحده، إذ إنه يتسرب إلى الأدوات ذاتها فيفسدها من الداخل، ويجعل من كل نص مولد بلا رقابة معرفية حلقة فى سلسلة تدهور لا تتوقف.

من هنا، فإن الأساس الذى يبنى عليه ذلك كله، أن النص عبارة عن رموز لا تحمل معنى بذاتها ككلمات وجمل، إنما يتشكل المعنى فى الدماغ الذى يستقبلها ويقيمها بناء على خبراته التى تشكلت عبر التجربة والتراكم.

فالإنسان هو الذى يعطى المعنى للنص، إذ يطرح القارئ فى لاوعيه سؤالا: هل هذا يحاكى تفكيرى فى هذا المجال أم لا، وهل يعكس الواقع الذى أعرفه أم يزوره؟ وهذا تقييم يجرى وفق معيار داخلى ناتج عن الفهم لا عن الصياغة، يأتى من العمق المتراكم فى المجال.

فالعارف فى مجاله يكشف التضخم فورًا لأن معياره داخلى، ويكون باستطاعته معرفة الخلل وعنده القدرة على تمييز النص السفسطائى الفارغ من النص الذى له معنى راسخ بناء على الفارق بين امتلاك المعرفة وتمثلها ظاهريا، ذلك بحكم ما بنى من معرفة سابقا. فى المقابل، من لا يملك المعرفة فلا يمكن له أن يقيم، كونه لا يملك الأسس المعرفية والمرجع العلمى الذى يتيح الحكم فيبقى محكوما بمظهر النص لا بمضمونه. ومن هنا يتضح أن الوعى النقدى بالذكاء الاصطناعى لا يمكن أن يختصر بتقنية، فالجوهر هو فى المعرفة الفعلية بالمجال.

ومن الملاحظ، وأكثر ما يثير الرعب، فى العديد من الكتابات والأبحاث المفككة، المطروشة فى بنيتها والمتشظية فى امتدادها والمتناثرة فى تنظيمها على الصفحات والمواقع، أننا نكتب عن الذكاء الاصطناعى لنقده باستخدام الذكاء الاصطناعى نفسه، وهذه مفارقة تفتح الباب أمام سؤال أعمق يتعلق بأسسها الذهنية لدى من يمارس هذا النمط من الكتابة، حيث يعاد إنتاج الظاهرة داخل نقدها ذاته. فإلى أين نحن ذاهبون فى ظل غياب إطار واضح للمساءلة المعرفية؟

 

غسان مراد

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/yj93typr

 

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات