أدوات إعداد الانعطافة الاقتصادية العربية الجديدة - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 23 سبتمبر 2026 8:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

أدوات إعداد الانعطافة الاقتصادية العربية الجديدة

نشر فى : الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:30 م

دعنا نختتم سلسلة المقالات المتعلقة بضرورة العمل من أجل انعطافة اقتصادية عربية جديدة، بينا بعضًا من أسسها ومنطلقاتها وأهدافها وتفاعلها مع الواقع العربى من جهة ومع المطروح والمطبق عالميًا من جهة أخرى، نختتم بطرح السؤال التالى: من هى القوى الأداتية التى ستضع استراتيجية تفصيلية شاملة لتلك الانعطافة لتكون هدفًا نضاليًا عربيًا وجزءًا مكملًا للمشروع النهضوى العربى المطروح منذ عدة عقود من قبل بعض المفكرين وبعض مراكز الفكر العروبى.

 


لقد كنا نتمنى لو أن مؤتمرات قمم أنظمة الحكم تبنّت المشروع وعهدت صياغته إلى مجموعة منتقاة من المسئولين المعنيين والمفكرين والناشطين المهتمين فى مؤسسات المجتمع العربى المدنية لتتبنّاه بعد ذلك كاستراتيجية عربية مشتركة، خصوصًا أن هناك محاولات مماثلة سابقة قد جرى تبنيها تحت سقف الجامعة العربية فى ثمانينيات القرن الماضى، ولكن مع الأسف تعثرت فى حينها.
ولذلك لدينا الشك فى إمكانية القيام بذلك من قبل تلك المؤسسات الرسمية، بسبب أوضاع مؤسسة القمة العربية وأوضاع الجامعة العربية وإرادتها السياسية التى تراجعت كثيرًا خلال العقود الأربعة الماضية، بسبب الانقسامات والصراعات والولاءات الخارجية ودخول الكيان الصهيونى كلاعب مؤثر ومخرّب فى الشئون العربية المشتركة ومؤسساتها.
وإلى حين تعافى مؤسسات العمل العربى المشترك الرسمية فى المستقبل واسترجاع قوة إرادتها الذاتية القومية، نحتاج إلى أن ننظر فى إمكانية وجود جهات أخرى غير رسمية قادرة على أن تتبنى هذه الانعطافة كشعار سياسى فى نضالاتها المختلفة وعلى شتى مستوياتها.
فى اعتقادى أن الجهة التى ستكون قادرة على التبنى والنضال من أجل التطبيق، ولو كان بالتدريج التراكمى، ستكون الكتلة الشعبية العربية التعاونية المتناسقة المكونة من مجموعات من مؤسسات المجتمعات المدنية العربية، من مثل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والجمعيات المهنية والأهلية والأفراد المناضلين المتميزين فى مواقفهم ونشاطاتهم، والمماثلة إلى حد بعيد للكتلة التاريخية التى طرحها المناضل اليسارى الإيطالى الشهير، جرامشى، منذ أكثر من ثمانية عقود.
إن تبنى مثل هذه الكتلة النضالية ، فيما لو قامت إن شاء الله وتبنت شعارات المشروع النهضوى، بما فيه شعار الانعطافة التى تحدثنا عن العديد من جوانبها عبر عدد من المقالات عبر الأسابيع الماضية، وتبنّته كشعار نضالى مستمر ومتصاعد وتراكمى، سيسهم فى إقناع أنظمة الحكم العربية بتبنّيه هى أيضًا واعتباره أحد مفاتيح التقدم العربى وخروج كل الأقطار العربية من حالة التخلف التى يعيشها العرب والمسلمون منذ عدة قرون.
ومع ذلك دعنا نشير إلى بعض المحاذير وبعض المتطلبات التى من الضرورى أن تكون دراستها عملية موازية لجهود تلك الجهات المدنية والرسمية التى ستقوم بهذه المهمة المعقدة الصعبة. فلن يكون مثلًا سهلًا تجنّب وقوع الفكر الاقتصادى العربى الجديد فى تأثيرات المقاربات النظرية الأوروبية والأمريكية فى ساحة علوم الاقتصاد وكثرة تناقضاتها ومدارسها. ذلك أن من المعروف أن دراسة أسباب الثورة الصناعية هى التى فتحت المجال لإنتاج أدبيات اقتصادية موسوعية فى تلك المنطقتين، بينما البلاد العربية لم تدخل بعد فى ثورتها الصناعية حتى تستفيد من دروسها وعبرها وبعض مداخلها العلمية والتطبيقية.
ذلك أن كثيرًا من تلك الأدبيات قد بقيت إجمالًا غير مدروسة أو مستوعبة فى الوطن العربى.
وحتى لو تمت الاستفادة من تجارب النمو والفكر الاقتصادى عند البلدان الآسيوية من مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين مؤخرًا فإن جورج قرم يؤكد أن الفكر العربى الحديث لم يتناول هذه الظاهرة بدراسات جادة ولم يطور معارف نوعية بالآليات التى سمحت لتلك البلدان الآسيوية الخروج من تخلفها الاقتصادى بالصورة المبهرة التى شاهدها العالم كله.
وهكذا فلن تكون هذه المهمة التى نتحدث عنها، وهى مهمة تاريخية حضارية وجودية، مهمة سهلة ولا عابرة، ولا مهمة فى الأساس لاختصاصيين اقتصاديين، وإنما ستحتاج إلى تكاتف أخصائيين فى علوم الاجتماع الواسع مع أخصائيين فى العلوم الطبيعية والتكنولوجية بأشكالها المختلفة.
ولكن إن صحّت الإرادة والعزيمة فلن يصعب أى شىء.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات