عندما تتصف الحياة السياسية بنسبة معقولة من حرية الكلام وشفافية المناقشات العامة حول أوضاع الحاضر وتطلعات المستقبل الشعبية، وعندما يتم ذلك من خلال مؤسسات مجتمعية مدنية، وعلى الأخص فيما بين أحزاب تنتمى إلى أيديولوجيات فكرية وسياسية خبرت الأجيال عبر العقود من السنين بنزاهة وديمقراطية وتدوير قياداتها.
عندما يتم كل ذلك ويتم أمر وصولها للحكم أو مزاولة المعارضة من خلال انتخابات تدار من قبل جهات نزيهة محايدة، وبشفافية تامة، فعند ذاك تكون إرادات الشعوب قد تحققت. وهذا بالضبط ما شاهدناه فى دولة البرازيل منذ بضعة أيام، فكان انتصارًا مجلجلًا لقوى اليسار وتراجعًا وسقوطًا لقوى المال والنفوذ اليمينيّة البرازيلية وكل من ساندها من جهات الاستعمار الأمريكية والصهيونية وأتباعهما.
هذه التجربة فيها الكثير من الدروس والعبر التى يجب أن تدرس بعمق وشمول من قبل كل القوى العربية المجتمعية الراغبة فى لعب أدوار فاعلة تغييرية فى هذا المجتمع العربى أو ذاك القطر العربى.
وسيكون الدرس أكثر فائدة وأنفع طريقًا لو شمل درس حراك تلامذة وشباب فرنسا عبر الأسابيع القليلة الماضية، وشمل الحراكات الشعبية بشتى أشكالها وألوانها فى مختلف بلدان أوروبا.
جميع تلك المشاهد تحمل أجواء وروائح تغيّرات سياسية فكرية وسلوكية نضالية وهى فى طريق مجيئها لكل العالم لتغيّره من جديد.
وسيكون فى مقدمة ذلك التغيير إقتلاع جذور النيوليبرالية العولمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمواجهة أمراضها ورذائلها وسلوكياتها وعاداتها المسطحة الطفولية، وبالتالى إيصال الجنون النيوليبرالى الذى جاءت به ونشرته دولتا أمريكا وإنجلترا وتبرعت حضارة الغرب الحالية بنشره ومحاولة تجذيره فى العالم كله.
وستردد حناجر الملايين من شابات وشبان هذا العالم شعارات المساواة فى المواطنة وتساوى الفرص الحياتية بدلًا من التنافس والفوز فى السباق، وشعار دولة الرعاية الاجتماعية بدلًا من دولة الخصخصة والسوق الحرة، وشعار مشاركة القوى العاملة فى اتخاذ القرارات وفى تقسيم المكاسب والعمل فى وظيفة دائمة بحقوق إنسانية بدلًا من الوظيفة المؤقتة والفصل من العمل والدخول فى عالم البطالة لأسباب زيادة الربحية للمؤسسة الرأسمالية ومالكيها، وشعار الديموقراطية العادلة وليس الديموقراطية المقنعة التى تحكمها الدولة العميقة من أصحاب المال وقوى الأمن، و.... و.... وإلخ.. من عودة للحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية الإنسانية المحكومة بقيم الفضائل بدلًا من الاستمرار فى حياة الإنقسام إلى أغنياء بلا حدود وفقراء بلا قاع. وسنرى أنوار الأربعينات والخمسينات من القرن الماضى تطل على عالم الظلام الذى نعيشه.
سيحتاج ذلك إلى وقت وصبر وإلى تضحيات جسام وأحيانًا إلى ثورات تصحيحية، وسيصحو وينام على وعى تقدمى إنسانى جديد، ولكنه سيأتى. فما رأيناه يحدث فى مثل البرازيل وأوروبا، وقريبًا فى العالم كله، لن يسمح لنفسه أن ينتكس إلى ممارسة تلك الحضارة الغربية التى قلبت كل شىء فى هذا العالم وشوهت كل قيم تاريخه الطويل الأخلاقية والدينية، طيلة العقود الستة الماضية.
وإذا كان العرب يريدون أن يكونوا جزءًا من هذا التغيير الكبير، ما عليهم إلا أن يضعوا يدهم فى يد قوى التغيير الجديدة ويسيروا معها فى صفوف متراصة بإرادة إنسانية جديدة واحدة، ونحن بانتظار تلك اللحظة الحاسمة.
مفكر عربى من البحرين