الابتكار العالمي.. سباق التفوق التكنولوجي وتوازنات القوة العالمية - عمرو حلمي - بوابة الشروق
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 7:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

الابتكار العالمي.. سباق التفوق التكنولوجي وتوازنات القوة العالمية

نشر فى : الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 6:35 م

يكشف مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، الصادر مؤخراً عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، عن تحولات جوهريه في خريطة القوة الاقتصادية والتكنولوجية الدولية، حيث أصبح الابتكار عاملاً حاسماً في تحديد القدرة التنافسية للدول ومكانتها في النظام الدولي. وفي ظل التنافس الأمريكي الصيني وتسارع التطورات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، لم يعد التفوق الاقتصادي مرتبطاً بحجم الموارد والقدرات الإنتاجية وحدهما، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات صناعية وتجارية ذات قيمة مضافة عالية. ويكتسب المؤشر، الذي يقيس أداء 139 اقتصاداً، أهميته من تقييم كفاءة المنظومات الوطنية في توظيف التعليم والبحث العلمي والتمويل والبنية التكنولوجية لبناء قدرات ابتكارية مستدامة.


وتؤكد النتائج استمرار تصدر سويسرا والسويد والولايات المتحدة المراتب الثلاث الأولى، تليها كوريا الجنوبية وسنغافورة، فيما تحتل الصين المركز العاشر، باعتبارها الاقتصاد الوحيد متوسط الدخل بين الاقتصادات العشرة الأكثر ابتكاراً. وتعكس هذه النتائج أن التفوق لا يتحقق بتوافر عناصر القوة منفردة، وإنما بتكاملها ضمن منظومة تربط الجامعات ومراكز البحث بالشركات ومؤسسات التمويل والأسواق. وتبرز التجربة الكورية أهمية الاستثمار الصناعي الخاص في البحث والتطوير، فيما توضح سنغافورة قدرة المؤسسات الفعالة والبنية الرقمية واستقطاب الكفاءات على تعويض محدودية الموارد الطبيعية. أما الصين، فقد وظفت قاعدتها التصنيعية الواسعة لبناء قدرات بحثية وتكنولوجية محلية، بما يؤكد أهمية الاستقلال النسبي في إنتاج التكنولوجيا لتعزيز القوة الاقتصادية والتفاوضية.

وتتجاوز المنافسة الراهنة حدود الأسواق إلى التحكم في التقنيات التي سترسم اتجاهات النمو والإنتاج والأمن القومي خلال العقود المقبلة. فالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات والطاقة النظيفة والمواد المتقدمة ليست مجرد قطاعات واعدة، بل أدوات لإعادة توزيع المزايا الاقتصادية والنفوذ الدولي. ويزيد تركز التمويل في الشركات العاملة بالذكاء الاصطناعي احتمالات اتساع الفجوة بين الدول القادرة على تطوير هذه التقنيات وتلك التي ستظل مستهلكة لها. ورغم التعافي الجزئي للاستثمار العالمي في الابتكار بعد تراجعه عام 2023، تظل القدرة على تمويل الأبحاث وتحويل نتائجها إلى منتجات تجارية عاملاً حاسماً في توزيع عوائد النمو العالمي.
وتبرز أهمية الشركات الناشئة القائمة على العلوم المتقدمة، التي تحول الاكتشافات البحثية إلى صناعات جديدة. فقد تجاوز عددها ثلاثين ألف شركة منذ عام 2000، وبلغت قيمتها الإجمالية نحو 7.6 تريليون دولار. غير أن نجاحها يتطلب تمويلاً طويل الأجل، وحماية فعالة للملكية الفكرية، وشراكات بين الجامعات والصناعة، وقدرة على الانتقال من التجارب الأولية إلى الإنتاج والتصدير. فالدول التي تربط البحث بالتمويل والإنتاج تجني عوائد المعرفة، بينما تفقد اقتصادات أخرى جانباً كبيراً من القيمة عندما تعتمد على استيراد التكنولوجيا بدلاً من تطويرها.

وعربياً، تتفاوت مسارات بناء القدرات الابتكارية؛ إذ تصدرت الإمارات العربية المتحدة الدول العربية بحلولها في المرتبة 25 عالمياً، تلتها السعودية في المرتبة 42، وقطر في المرتبة 47، والمغرب في المرتبة 54، والأردن في المرتبة 60، والكويت في المرتبة 62، والبحرين في المرتبة 64، وتونس في المرتبة 71. أما مصر، فجاءت في المرتبة 83، فيما احتلت الجزائر المرتبة 111. ولا تكمن دلالة هذه المراكز في الترتيب وحده، بل في قدرة الاقتصادات على تحويل الاستثمارات في التعليم والبحث العلمي والبنية الرقمية إلى إنتاجية وصادرات تكنولوجية. ويتمثل التحدي المشترك في الانتقال من تطوير البنية الأساسية إلى بناء قاعدة محلية للمعرفة والابتكار تولد فرص العمل والقيمة المضافة.

وبالنسبة إلى مصر، يمثل تقدمها إلى المرتبة 83 عام 2026، مقارنة بالمرتبة 86 في العام السابق، تحسناً بطيئاً يستحق البناء عليه، لكنه لا يكفي للحكم على قوة منظومتها الابتكارية. فالمعيار الأهم هو انعكاس هذا التقدم على إنتاجية الاقتصاد وتنافسية الصناعة وقدرة الشركات المصرية على تطوير منتجات قابلة للتسويق والتصدير. وتمتلك مصر قاعدة بشرية وعلمية وسوقاً محلية واسعة، غير أن توظيفها يتطلب تضييق الفجوة بين البحث العلمي واحتياجات الإنتاج، وتوسيع تمويل القطاع الخاص للبحث والتطوير، وتوفير التمويل للشركات الناشئة خلال مراحل نموها، وتعزيز نقل التكنولوجيا من الجامعات ومراكز البحث إلى الصناعة.
ويقتضي ذلك توجيه سياسات الابتكار نحو القطاعات المرتبطة بالاحتياجات الإنتاجية المصرية والفرص التصديرية، وتطوير الشراكات بين المؤسسات العلمية والشركات، وربط الحوافز الاستثمارية بنتائج قابلة للقياس في الإنتاجية والقيمة المضافة المحلية. كما ينبغي التعامل مع السوق المصرية باعتبارها قاعدة لتطوير الابتكارات واختبارها وتوسيع إنتاجها، لا مجرد سوق لاستهلاك المنتجات المستوردة.

إن الدرس الاستراتيجي الأهم هو أن الابتكار لم يعد ملفاً منفصلاً للبحث العلمي، بل أصبح محوراً للسياسات الصناعية والتعليمية والاستثمارية، وأحد محددات الاستقلال الاقتصادي والقدرة على المنافسة الدولية. ومن ثم، لن يقاس نجاح أي دولة بتحسن ترتيبها وحده، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى صناعة والصناعة إلى صادرات ووظائف عالية الإنتاجية. فالمكانة الاقتصادية مستقبلاً ستكون للدول التي توظف عقولها ومواردها لبناء قدراتها الذاتية والمشاركة في إنتاج التكنولوجيا وتوجيه مساراتها، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة تطورات يصنعها الآخرون.

 

 

عمرو حلمي السفير عمرو حلمي
التعليقات