السؤال الأهم في التحول الجاري في النظام الدولي ليس من سيحل محل الولايات المتحدة، ولا ما إذا كانت الصين ستصبح القوة المهيمنة الجديدة، وإنما من سيضع القواعد التي ستنظم العلاقات الدولية مستقبلاً. فالنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد تشكيله بعد انتهاء الحرب الباردة، يقوم اليوم على توازنات مختلفة، فيما تتراجع قدرة قوة منفردة على تحديد اتجاهاته كما فعلت واشنطن سابقاً.
لا يعني التحول الراهن بالضرورة انتقال العالم من هيمنة أمريكية إلى هيمنة صينية. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك مزيجاً من القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والمالية، فضلاً عن شبكة من التحالفات والمؤسسات التي شاركت في بنائها. وفي المقابل، صعدت الصين بوصفها القوة الأكثر قدرة على منافسة الولايات المتحدة اقتصادياً وتكنولوجياً، وأصبحت أكثر حضوراً في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والبنية ومؤسسات التمويل الدولي. وبين القوتين، تحتفظ أوروبا وروسيا والهند واليابان وغيرها بقدرات مؤثرة.
لذلك، قد لا يكون النظام الذي يتشكل نظاماً متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدي، ولا عودة إلى القطبية الثنائية خلال الحرب الباردة. والأقرب أنه يتجه إلى نظام ثنائي المركز، متعدد دوائر النفوذ، تكون فيه واشنطن وبكين مركزَي الثقل، بينما تتوزع القدرة على التأثير في القواعد بين قوى كبرى ومتوسطة وإقليمية، تختلف أهميتها باختلاف القضية المطروحة.
في المجال الأمني، ستظل الولايات المتحدة صاحبة نفوذ استثنائي بفضل تفوقها العسكري وشبكة تحالفاتها العالمية. وفي المجال الاقتصادي، ستظل الصين لاعباً مركزياً بحكم حجم اقتصادها وموقعها في الصناعة والتجارة وسلاسل الإمداد. أما التكنولوجيا، فقد أصبحت مجالاً للصراع على قواعد المستقبل، من الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات إلى الحوسبة المتقدمة والاتصالات. وفي الطاقة، تستطيع دول لا تضاهي القوتين الكبريين في الحجم الاقتصادي أن تمتلك تأثيراً يتجاوز وزنها السياسي، كما يتضح من أهمية دول الخليج في أسواق البترول والغاز.
وتبرز هنا أهمية القوى المتوسطة. فمصر والهند والبرازيل وتركيا وإندونيسيا والسعودية وجنوب أفريقيا وغيرها لا تبدو راغبة في الانضمام إلى أحد المركزين. وهي تتحرك لتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، وتنويع شراكاتها، والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى. ويغير هذا التحول طبيعة النظام الدولي، لأن القدرة على التأثير في القواعد لم تعد حكراً على الدول التي تمتلك أكبر الجيوش أو الاقتصادات.
غير أن القواعد الدولية لا تُصاغ بالقوة وحدها. فالمؤسسات متعددة الأطراف تظل ساحة أساسية للتنافس، من الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى مجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وتعكس هذه المؤسسات موازين قوة تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة، وهو ما يجعل إصلاحها جزءاً من الصراع نفسه حول شكل النظام الدولي المقبل.
وستتشكل القواعد الجديدة أيضاً بفعل الأزمات. فالحروب، وأمن الممرات البحرية، والطاقة، والعقوبات الاقتصادية، وأمن التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، كلها مجالات لا توجد بشأنها دائماً قواعد متفق عليها أو مؤسسات قادرة على فرضها. وفي هذه المجالات، ستتحدد طبيعة النظام الجديد من خلال التفاعل بين من يستطيع وضع قاعدة، ومن يستطيع رفضها، ومن يملك القدرة على تحمل كلفة مخالفتها.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط: من يملك القوة؟ بل من يستطيع تحويلها إلى قواعد ومؤسسات ومعايير تحظى بقبول دولي؟ فالولايات المتحدة توظف ثقلها العسكري والعلمي والتكنولوجي، إلى جانب الدولار والعقوبات والشبكات المالية. وتستند الصين إلى وزنها التجاري والصناعي، بينما تؤثر أوروبا من خلال قواعد السوق والتنظيم التكنولوجي. أما القوى الإقليمية، فتستطيع توظيف موقعها الجغرافي أو مواردها أو دورها في سلاسل الطاقة والتجارة لتعزيز قدرتها على التأثير.
ومن ثم، لن يحدّد مستقبل النظام الدولي طرف واحد، ولا معاهدة أو قمة واحدة. بل سيتشكل تدريجياً عبر سلسلة من التفاهمات والصراعات والتسويات، وستؤثر كل أزمة في القواعد التي تليها. وقد تصبح بعض هذه القواعد عالمية، بينما تظل أخرى محصورة داخل دوائر جغرافية أو اقتصادية أو أمنية مختلفة.
وبالنسبة إلى الدول العربية، يفرض هذا التحول إعادة تعريف مفهوم النفوذ. فامتلاك الموارد أو الرهان على الموقع الجغرافي وحدهما لن يكفيا، كما أن الاعتماد الكامل على مركز دولي واحد لا يضمن الحماية أو الاستقرار. وتزداد أهمية تنويع الشراكات، وبناء القدرة التفاوضية، والاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة، والمشاركة في صياغة قواعد الطاقة والتجارة والأمن البحري والذكاء الاصطناعي.
لن يكون النظام الدولي الجديد، إذاً، نظاماً تفرضه قوة واحدة على الآخرين، ولا نظاماً تتساوى فيه جميع القوى. بل سيكون أقرب إلى عملية مستمرة لإعادة توزيع القدرة على وضع القواعد وتفسيرها وتطبيقها وتعطيلها. وستظل الولايات المتحدة والصين في قلب هذه العملية، لكنهما لن تكونا وحدهما فيها.
والدرس الأهم أن الدول التي ستحافظ على مكانتها في النظام المقبل لن تكون بالضرورة صاحبة أكبر الجيوش، بل تلك القادرة على تحويل مصالحها إلى نفوذ، ونفوذها إلى قواعد، وقواعدها إلى مؤسسات. لذلك، لا يتمثل السؤال في من سيحكم النظام الدولي الجديد، بل في من سيشارك في كتابته، ومن سيجد نفسه مضطراً إلى العيش وفق قواعد يضعها الآخرون. ففي هذا السباق، لن يكون المتفرجون هم من يحددون شكل النظام المقبل.