إسرائيل بعد الانتخابات.. مأزق تشكيل الحكومة ومستقبل سياسي غامض - عمرو حلمي - بوابة الشروق
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 8:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

إسرائيل بعد الانتخابات.. مأزق تشكيل الحكومة ومستقبل سياسي غامض

نشر فى : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:10 م

كشفت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 عن مأزق سياسي يتجاوز تعذر تشكيل الحكومة، ليعكس أزمة أعمق في قدرة النظام السياسي على إنتاج ائتلاف مستقر في ظل الانقسامات الأيديولوجية والمجتمعية. فقد أخفق كل من معسكر بنيامين نتنياهو وأحزاب المعارضة في تحقيق الأغلبية البرلمانية المطلوبة، والبالغة 61 مقعداً، بما يعكس تراجع قدرة الائتلاف الحاكم على الاحتفاظ بأغلبيته، دون أن تتمكن المعارضة من توفير بديل حاسم للحكم، وهو ما يبقي المشهد السياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة ويزيد من تعقيدات تشكيل الحكومة الجديدة.

 وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع تحول أصوات المواطنين العرب إلى عامل مؤثر في تحديد هوية الحكومة المقبلة. فالمعارضة تستطيع نظرياً الوصول إلى 67 مقعداً بإضافة المقاعد العربية، لكنها تواجه صعوبة في تحويل هذه الأغلبية الحسابية إلى ائتلاف حاكم، بسبب تحفظ عدد من أحزابها على التعاون مع القوائم العربية أو الاعتماد على دعمها البرلماني. وهكذا لم تعد المعضلة حسابية بقدر ما أصبحت مرتبطة باستعداد القوى السياسية لتجاوز خطوطها الأيديولوجية وإعادة النظر في قواعد التحالف السياسي.

 ويعكس هذا المشهد المعقد انقساماً مجتمعياً يتجاوز التنافس بين اليمين واليسار، ليشمل العلاقة بين الدين والدولة، والتجنيد الإجباري للشباب الحريديم، ومستقبل الصراع الفلسطيني، وتقييم إدارة الحروب والأزمات الأمنية. ويؤدي تداخل هذه القضايا إلى تضييق مساحة التوافق الوطني، ويحد من فرص تشكيل حكومة قادرة على بلورة رؤية استراتيجية مشتركة، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتداعياتها الأمنية والسياسية.

 وتبرز في هذا السياق إشكالية المواطنة والمساواة السياسية. فالمواطنون العرب، الذين يشكلون نحو خُمس السكان، يشاركون في الانتخابات ويتمتعون بحق التمثيل البرلماني، إلا أن أحزاباً مؤثرة لا تزال ترفض الاعتراف بحقهم في التأثير في تشكيل الحكومة. ويكشف ذلك فجوة بين المساواة القانونية والقبول السياسي بنتائج المشاركة الديمقراطية، ويطرح تساؤلات حول مدى اعتبارهم شركاء متساوين في صياغة القرار الوطني. ومن ثم، يمثل حصولهم على 19 مقعداً اختباراً لقدرة النظام السياسي على استيعاب التعددية وحدود المشاركة في السلطة.

 وزادت شبهات التدخل الخارجي من تعقيد المشهد، بعدما طلب رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرج، من جهاز الأمن العام (الشاباك) التحقيق في مزاعم تمويل أجنبي غير مشروع للتأثير في الانتخابات. ولا تزال هذه المزاعم قيد الفحص، دون أدلة معلنة تثبت تأثيرها في النتائج. ويظل من الضروري التمييز بين التحقيق في أي تجاوزات محتملة وبين التشكيك في شرعية أصوات الناخبين العرب.

 وقد عكست التغطية الإعلامية الإسرائيلية، ولا سيما في صحف ومواقع هآرتس، وتايمز أوف إسرائيل، ويديعوت أحرونوت، وجيروزاليم بوست، حجم الجدل بشأن التحقيق وتداعياته السياسية، بين الدعوة إلى استجلاء حقيقة شبهات التدخل الخارجي والتحذير من توظيفها للطعن في النتائج أو تقويض شرعية التمثيل العربي. كما أثارت تصريحات يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء، التي وصف فيها المواطنين العرب بأنهم أكبر خطر على بقاء إسرائيل بعد البرنامج النووي الإيراني، جدلاً واسعاً، لما تنطوي عليه من توسيع دائرة الاستقطاب لتشمل التشكيك في انتماء قطاع من المواطنين وولائهم.

 وعلى مستوى التحليل الدولي، تناول مجلس العلاقات الخارجية ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تداعيات النتائج على تشكيل الحكومة والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فيما ركز المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية على التحولات الأيديولوجية داخل إسرائيل وانعكاساتها على علاقاتها الأوروبية. كما تناولت تحليلات بروكينجز وكارنيجي للسلام الدولي التناقض بين ارتفاع التمثيل العربي واستمرار التحفظ على مشاركة الأحزاب العربية في ترتيبات الحكم. وتكشف هذه القراءات أن المأزق الراهن لا يتعلق فقط بتوزيع المقاعد، وإنما يمتد إلى اتجاهات السياسة الإسرائيلية ومستقبل علاقاتها الخارجية.

وتواجه مفاوضات تشكيل الحكومة خيارات محدودة؛ فنتنياهو يحتاج إلى استقطاب أطراف جديدة أو إعادة ترتيب تحالفاته، بينما يتعين على جادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار»، إقناع أحزاب المعارضة بتجاوز تحفظاتها على التعاون مع القوائم العربية، سواء من خلال المشاركة في الحكومة أو تقديم دعم برلماني من خارجها. ويظل تشكيل حكومة وحدة أو حكومة أقلية بدعم عربي من السيناريوهات المطروحة، وإن كان كل منهما يصطدم بخلافات سياسية وأيديولوجية عميقة.

 ويظل إجراء انتخابات جديدة احتمالاً قائماً إذا أخفقت المفاوضات، دون ضمان تغيير موازين القوى، إذ يمكن أن تتكرر النتائج ذاتها ويستمر الانسداد السياسي. وفي المحصلة، تكشف الانتخابات عن استمرار ضبابية المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، مع بقاء نتنياهو على رأس الحكومة الحالية إلى حين تشكيل حكومة جديدة أو حسم المسار نحو انتخابات أخرى. ولا يقتصر الغموض على هوية الائتلاف المقبل، بل يمتد إلى مستقبل العلاقة بين القوى السياسية والمواطنين العرب، وقضايا الدين والدولة والتجنيد الإجباري، وإدارة الصراع مع الفلسطينيين. وهكذا تواجه إسرائيل مرحلة من عدم اليقين السياسي، ستظل خلالها قدرة النظام على معالجة خلافاته الداخلية وإعادة صياغة قواعد المشاركة في الحكم عاملاً حاسماً في تحديد مستقبلها السياسي ومكانتها الإقليمية والدولية.

عمرو حلمي السفير عمرو حلمي
التعليقات