النظام الدولي والمخاطر العابرة للحدود - عمرو حلمي - بوابة الشروق
الجمعة 2 أكتوبر 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

النظام الدولي والمخاطر العابرة للحدود

نشر فى : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:49 م

يشهد النظام الدولي تحولًا يتجاوز إعادة توزيع القوة بين الدول الكبرى، ليصل إلى طبيعة التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات في آن واحد. فالتنافس على القوة والنفوذ لم يعد يجري فقط حول الأرض والموارد وموازين القوة العسكرية، وإنما يمتد إلى قضايا جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا والاقتصاد والأمن والطاقة والمياه والبيئة. ويكشف هذا التحول عن حدود الأدوات التي قام عليها النظام الدولي خلال القرن العشرين، ويفرض إعادة التفكير في قدرة مؤسساته على التعامل مع عالم تتغير فيه مصادر القوة وطبيعة المخاطر وما تفرضه من تحديات.

وفي هذا السياق، لفت تحليل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخرًا إلى ثلاث أزمات متزامنة تواجه العالم: المخاطر المتصاعدة للذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، واضطراب ممرات الملاحة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة هذه الأزمات ومدى تأثيرها الزمني، فإنها تكشف عن تحول مهم في مفهوم الأمن الدولي، حيث أصبحت بعض المخاطر تتجاوز قدرة الدول منفردة على إدارتها، وتحتاج إلى مستويات جديدة من التعاون والتنسيق الدولي.

الذكاء الاصطناعي يمثل الاختبار الأكثر حداثة. فالتقدم السريع في قدرات النماذج الجديدة يفتح فرصًا اقتصادية وعلمية هائلة، لكنه يخلق في الوقت نفسه مخاطر تتجاوز الحدود الوطنية، من الاستخدامات العسكرية والهجمات السيبرانية، إلى التضليل واسع النطاق واحتمال تطوير أنظمة يصعب إخضاعها للرقابة البشرية. والمفارقة أن الدول التي تتنافس على قيادة هذه التكنولوجيا هي نفسها التي تحتاج إلى التعاون لوضع أطر تحد من أخطارها. ولهذا فإن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين لا ينبغي اختزالها في سباق تكنولوجي متواصل؛ فالمنافسة على التفوق في الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتعايش مع التعاون في مجالات السلامة والاختبار والرقابة وتبادل المعلومات بشأن المخاطر.

وتزداد أهمية التحدي المرتبط بالذكاء الاصطناعي مع انتقاله من كونه قضية تكنولوجية إلى قضية تتصل بالأمن الدولي. وقد أنشأت الأمم المتحدة آليات جديدة لهذا الغرض، من بينها الهيئة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتطوير فهم مشترك لقضايا السلامة والمساءلة والرقابة البشرية وتوزيع فوائد التكنولوجيا بصورة أكثر إنصافًا. وهذا يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ترك تنظيم هذه التكنولوجيا للمنافسة بين الشركات أو للقوانين الوطنية وحدها لن يكون كافيًا.

أما تغير المناخ، فيمثل الاختبار الثاني، وربما الأكثر امتدادًا زمنيًا. فالظاهرة لم تعد قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد والأمن والطاقة، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة باستقرار الدول وقدرتها على توفير الغذاء والمياه والطاقة وحماية المدن والسواحل. كما أن الفجوة بين الدول الصناعية والنامية بشأن المسئوليات والتمويل ونقل التكنولوجيا تجعل التوافق الدولي أكثر صعوبة. ومع ذلك، فإن الطبيعة العابرة للحدود لتغير المناخ تجعل التعاون ضرورة لا يمكن استبدالها بسياسات وطنية منفردة. واستمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد آثار الظواهر المناخية المتطرفة يعني أن تكلفة التأخر في التحرك تتراكم بمرور الوقت.

أما الاختبار الثالث فهو أكثر مباشرة وأسرع تأثيرًا: أمن الممرات البحرية التي تحمل جزءًا أساسيًا من التجارة والطاقة العالمية. فقد كشف اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر مدى هشاشة سلاسل الإمداد أمام الأزمات الجيوسياسية. وحين تتعرض هذه الممرات للخطر، لا يقتصر التأثير على الدول الموجودة في الشرق الأوسط، بل ينتقل سريعًا إلى أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين والشحن، وسلاسل التوريد، والتضخم في اقتصادات تبعد آلاف الكيلومترات عن مناطق الصراع. وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية أن استمرار المخاطر في هرمز والبحر الأحمر يهدد سلامة أطقم السفن وحرية الملاحة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، ودعت إلى تعاون دولي لإعادة الملاحة الآمنة وغير المقيدة.

والقاسم المشترك بين هذه الأزمات الثلاث هو أن مفهوم الأمن نفسه يتغير. فالأمن لم يعد يعني فقط حماية الحدود أو امتلاك القوة العسكرية، وإنما أصبح يشمل أمن التكنولوجيا، وأمن المناخ، وأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية. وهذا التحول يفرض إعادة التفكير في أدوات العمل الدولي، لأن المؤسسات التي أنشئت لإدارة عالم القرن العشرين تواجه الآن أزمات ذات طبيعة مختلفة، تتجاوز الحدود وتتحرك بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة. ولا يعني التركيز على هذه الاختبارات الثلاثة أن المخاطر العابرة للحدود يمكن اختزالها فيها؛ فإدارة الأنهار والمياه العابرة للحدود، وانتشار الأوبئة، والاتجار بالبشر، والإرهاب، تمثل بدورها تحديات لا تستطيع الدول مواجهتها منفردة، وتكشف الحاجة إلى أنماط أكثر فاعلية من التعاون الدولي.

المشكلة لا تكمن في غياب المصالح المشتركة بين القوى الكبرى، بل في غياب الأطر القادرة على تحويل هذه المصالح إلى تعاون عملي. فالولايات المتحدة والصين، رغم التنافس الاستراتيجي بينهما، لديهما مصلحة مشتركة في منع الذكاء الاصطناعي من التحول إلى مصدر تهديد يصعب السيطرة عليه، وفي الحد من آثار تغير المناخ، وفي حماية حرية الملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي. والأمر ذاته ينطبق بدرجات مختلفة على القوى الأوروبية والآسيوية ودول الشرق الأوسط.

لهذا فإن الاختبار الحقيقي للنظام الدولي الجديد لن يكون فقط في كيفية توزيع القوة بين القوى الكبرى، وإنما في قدرته على إدارة المخاطر التي لا تستطيع القوة وحدها حلها. وإذا كان القرن الحادي والعشرون يتجه نحو نظام ثنائي المركز، متعدد دوائر النفوذ، فإن استقراره سيعتمد أيضًا على قدرة هذه المراكز والدوائر المختلفة على الاتفاق على أطر مشتركة في القضايا التي تتجاوز حدود السيادة الوطنية.

الذكاء الاصطناعي، والمناخ، وأمن الممرات البحرية ليست ثلاث أزمات منفصلة، بل ثلاث إشارات إلى التحول نفسه: انتقال العالم من عصر كان يمكن فيه للقوى الكبرى أن تدير جانبًا كبيرًا من الأزمات منفردة، إلى عصر أصبحت فيه بعض المخاطر أكبر من قدرة أي قوة منفردة على احتوائها. والسؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط من يملك القوة الأكبر، وإنما من يستطيع تحويل القوة إلى قواعد، والتنافس إلى ترتيبات، والمصالح المشتركة إلى آليات تعاون، فذلك، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي نظام دولي جديد.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

عمرو حلمي السفير عمرو حلمي
التعليقات