الغياب المفجع للأمن القومى العربى - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 8:15 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

الغياب المفجع للأمن القومى العربى

نشر فى : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 7:00 م

لا نستطيع تجاهل طرح الأسئلة الآتية وتقديم الإجابة الصادقة عليها. فهل الوضع الأمنى والمعيشى فى السودان، والصراع الجنونى فيما بين اليمن والمملكة العربية السعودية، والتجزىء العبثى لسلطة الدولة فى ليبيا، والمماحكات حول ملكية وانتماء ومستقبل قطعة من الصحراء فيما بين المملكة المغربية والجزائر، والخلاف الحدودى الأمنى الجديد فيما بين الأردن وسوريا، وترك لبنان وحيدا لمواجهة يومية للجرائم وللتدمير وللاحتلال الذى يمارسه جيش الكيان الصهيونى فى جنوبه وشماله بل وكل شبر منه، وإقحام نظامى الحكم الاستعماريين الأمريكى والصهيونى دول مجلس التعاون فى هجمتهما الاستعمارية ضد  إيران، وبناء علاقات تطبيعية متنامية من قبل بعض الأقطار العربية مع الكيان الصهيونى الذى أباد غزة ويتكلم عن إقامة «دولة إسرائيل التوراتية الكبرى»، وهل الابتزازات الميليشياوية والبترولية والجغرافية الاحتلالية الأمريكية فى الخليج وشتى بقاع الوطن العربى.. هل كل تلك المشاهد والكوارث هى جزء من الأمن القومى العربى والأمن المشترك الإسلامى أم لا؟

أليس الجواب هو نعم وألف نعم مهما أنكر المكابرون وتجاهل النفعيون وتناغم المغنّون مع الشبكات الاستخبارية الأمريكية المتعددة؟

وإذن فما هو موضوع الساعة الذى يجب أن يعطى الأولوية القصوى، فكرا واستراتيجيات وخطوات فعل ومواجهة، إن لم يكن الأمن القومى العربى الواحد المشترك؟

لكن هذه أمة، وهذه قوى مجتمعات، وهذه شعوب قد تعودت على أن تدور حول مشاكلها وقضاياها سنة بعد سنة وعقد بعد عقد، الأمر الذى ينطبق، مع الأسف، على موضوع وجودى، كموضوع الأمن العربى القومى.

فمن يصدق أن موضوعا طُرح ونوقش واتخذت بشأنه قرارات من قبل جهات عربية كثيرة مسئولة، من مثل الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية، منذ سنة 1950، أى قبل ثمانية عقود، ومع ذلك فلا زال فى عداد التمنيات والثرثرات التى لا تنتهى وآلاف الكتب التحليلية المنشورة؟

الأسوأ من ذلك أنه كموضوع وجودى فى الواقع العربى، تراجع كثيرا مع مرور الوقت، لتحل محله أنواع أخرى من الأمن، من مثل المائى والغذائى والتجارى والسياحى، وتوضع كلها خارج مظلة الأمن القومى الشامل، بينما تحترق المدن العربية الكبرى ويموت ويهاجر الملايين من أبناء وبنات العروبة تائهين فى كل بقاع الغربة والوحدة.

ولقد أذهلنى، على سبيل المثال، قراءة كتيب عميق وجميل وملتزم صدر عن منتدى الفكر العربى عام 1986 فى عمان تحت عنوان «تحديات الأمن القومى العربى فى العقد القادم». كانت الأفكار والمقترحات والتطلعات التى قدمها المشاركون عميقة وصريحة وجريئة، وكأنها تنطبق وتكتب وتقدم كمقترحات لأيامنا التى نعيشها الآن.

لقد ختم المناقشات آنذاك المحاضر الرئيسى والصديق العزيز المبدع د. على الدين هلال بالعناوين التالية:

1- أن الوطن العربى كان يعيش أزمة دُنيا من الأمن ويواجه أخطار إقليمية ودولية وقومية.

2- أن الأمن القومى قضية مجتمعية شمولية داخلية وخارجية.

3- أن الأمن يعنى فى المقام الأول بناء القدرة الذاتية وليس الاعتماد على الخارج.

4- أنه لا ينبغى أن ننسى الأهمية القصوى للقوة العسكرية التى تحمى كل منجز أمنى ذاتى.

5- أن الأمن تدخل فيه اعتبارات أيديولوجية وقومية، ليست عربية فقط، وإنما خارجية معادية أيضا.

6- وأن تحقيق الأمن القومى العربى يتطلب العمل على ثلاثة مستويات: مستوى الحكومات والنظم الرسمية العربية، ومستوى دور فاعل للمنظمات والنقابات والأحزاب والجمعيات فى المجتمع المدنى، ومستوى دور تثقيفى وتوعوى للمفكرين والمثقفين.

هل يحتاج إلى مزيد على ذلك؟ نعم، إضافة شرط أساسى واحد كان إلى حد ما متواجدا آنذاك: توفر الإرادة السياسية والمجتمعية الحرة الذاتية النشطة الفاعلة الغائبة حاليا بصورة مفجعة مهينة والتى يصرّ البعض على إبقائها فى أيادٍ قوى الاستعمار الصهيونى الخارجية.

استعادة الإرادة تسبق حتى القوة العسكرية، التى بدونها يصبح الأمن القومى موضوع ثرثرة قادرة، واحسرتاه، على أن تعيش وتكثر وتغمغم ثمانية عقود أخرى من الذل والسكون المعيب.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات