بالإضافة إلى البعدين السياسى والاقتصادى اللذين تناولناهما فى مقالين سابقين، فإن البعدين الأمنى والاستراتيجى لا تقلان فى الأهمية، بل فى بعض الأحيان قد تزيدان فى الأهمية، عن البعدين السياسى والاقتصادى، عندما نتحدث عن الهواجس التى تحيط بواقع أوروبا ومستقبلها، سواء من منظور قياداتها وقواها السياسية، أو من زاوية رؤية المفكرين والمثقفين والكُتاب والمحللين الأوروبيين، أى ما يطلق عليه «الإنتليجنتسيا» الأوروبية، أو حتى من وجهات نظر الرأى العام فى دول القارة المختلفة، وبصفة خاصة الدول الأساسية والمحورية فيها.
وتواجه أوروبا اليوم وفى المستقبل القريب عددًا من التحديات الاستراتيجية والأمنية، تتصل بكيفية حماية الدول الأوروبية لأراضيها واستقلالها السياسى وحالة الرفاه الاقتصادى التى وصلت إليها ومؤسساتها الديمقراطية، بالإضافة إلى ضمان إمكانية أن تدافع عن نفسها إذا تعرضت لشن أى هجوم ضد دولها من جانب روسيا. ويحدث ذلك فى وقت تبدو فيه الضمانات المتوافرة لدول أوروبا فى سياق مظلة الحماية الدفاعية والأمنية الأمريكية غير قابلة للاعتماد عليها بشكل كامل ومطلق فى ظل مؤشرات صدرت من الجانب الأمريكى خلال الفترة القليلة السابقة، وتتعقد فيه المنافسة فيما بين القوى الدولية الكبرى، ويؤدى التقدم التكنولوجى والذكاء الاصطناعى إلى جعل الحرب أكثر تدميرًا وخرابًا. وتبدو المسألة الجوهرية الآن هى هل تستطيع أوروبا أن تصبح فاعلًا عسكريًا وجيوسياسيًا له مصداقيته فى نفس الوقت الذى تحافظ فيه قدر الإمكان على المستوى الحالى من وحدتها ومستوى رفاهها الاقتصادى ونموذجها الديمقراطى السياسى والثقافى والمجتمعى؟
ولا شك أن الحرب الروسية الأوكرانية التى اندلعت على نطاق شامل وواسع فى عام 2022 قد أدخلت أوروبا فى بيئة أمنية متغيرة. وحتى إذا انتهت الحرب الروسية الأوكرانية أو شهدت هدنة الآن أو فى المستقبل القريب، فإنه سيكون على أوروبا التعامل مع تحديات متصلة بهذه الحرب. ويأتى ضمن هذه التحديات الحاجة للتحسب للقدرات العسكرية الروسية وعدم استبعاد حرب روسية فى المستقبل ضد أطراف أوروبية أخرى، بما فى ذلك بشكل خاص بولندا ودول البلطيق وفنلندا ومولدوفا ودول البحر الأسود، وهى دول جميعها عضوة فى حلف شمال الأطلنطى. وعلى أقل تقدير فمن المتوقع أن تلعب روسيا فى المستقبل على الانقسامات والخلافات فيما بين الدول الأوروبية وأن تبقى ضغوطها الاستراتيجية على أوروبا، حتى ولو لم تشن حروبًا جديدة على أى من دول القارة فى المستقبل القريب. ويرتبط بما تقدم مدى مصداقية الرادع النووى الأوروبى بشكل عام فى المستقبل.
وبالرغم من تمسك أوروبا باستمرار العلاقة عبر الأطلنطية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها باتت لا تضمن قدرتها على التيقن والتنبؤ بالاعتماد بشكل كبير ومستمر على واشنطن، سواء من جهة الدعم العسكرى أو الالتزام السياسى أو الاستراتيجى. وتوجد خلافات بين الطرفين حول العديد من الموضوعات مثل الأوضاع فى أوكرانيا، وبعض الموضوعات ذات الطابع التجارى، وكيفية توزيع عبء الدفاع عن أوروبا بينهما، ومستقبل حلف الشمال الأطلنطى. وعلى الصعيد العسكرى، تعتمد أوروبا على الولايات المتحدة الأمريكية فى أكثر من مكون من مكونات استراتيجيتها الدفاعية والأمنية، ويشمل ذلك الحصول على معلومات استخباراتية عسكرية من خلال الأقمار الصناعية ذات القدرات المتقدمة، بالإضافة إلى عمليات الإنقاذ الجوى الاستراتيجى، والإمكانيات المتقدمة للتصدى للصواريخ الباليستية، ومجمل الأسلحة البعيدة المدى ذات معدلات الدقة المرتفعة، وذلك بالطبع بجانب قدرات الردع النووى الأمريكية.
ولا شك أن عددًا من دول أوروبا قد زاد من ميزانياته العسكرية، إلا أن ذلك لا يتحول تلقائيًا إلى زيادة فى القوة والقدرات العسكرية. فلا تزال هناك فجوات كبيرة فيما بتعلق بالاحتياطى الاستراتيجى من الذخائر المتوافرة لدى الجانب الأوروبى. وينطبق نفس الأمر على الدفاعات الجوية والدفاعات ضد الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، ومكونات الحرب الإلكترونية، وخطوط الإمداد والتموين، وقدرات صيانة الأسلحة. كذلك توجد تباينات فيما بين الدول الأوروبية فيما يتعلق بنظم الخدمة العسكرية، كما أن عدم تطابق نظم ومعايير الصناعات العسكرية لدى دول القارة يطرح بعض الصعوبات عند القيام بعمليات عسكرية مشتركة.
ويتعين أن نتذكر دائمًا أن أوروبا ليست دولة واحدة ولا حتى فى حالة وحدة اندماجية، كما أن هناك تباينات فى رؤية وتعريف وتوصيف الأخطار والتهديدات بين دول الاتحاد الأوروبى من جهة وبين بقية الدول الأوروبية من جهة أخرى، وكذلك فى القدرات العسكرية، والمصالح الاقتصادية، والتوجهات تجاه روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية. كذلك فإن الاستقطاب السياسى والأيديولوجى داخل دول أوروبا والجدل الذى لا ينتهى حول قضايا الهجرة من الممكن أن يؤثر سلبًا على العمل الجماعى. بل وداخل الاتحاد الأوروبى نفسه، فإن الحاجة إلى الإجماع فى القرارات المرتبطة بالسياسات الخارجية يجعل استجابات الاتحاد الأوروبى للتحديات الأمنية والاستراتيجية أكثر بطئًا.
وبالإضافة إلى مخاطر الحرب التقليدية، فإن أوروبا تواجه مخاطر الحرب السيبرانية، وأعمال التجسس، والعمليات الإرهابية والتخريبية، وقد تستهدف هذه العمليات إمدادات الطاقة والكابلات تحت المياه، وخطوط الأنابيب، والموانئ، وخطط السكك الحديدية، والأقمار الصناعية، والشبكات الحكومية وقواعد البيانات والمعلومات. وتتطلب هذه المواجهة درجات عالية من التنسيق فيما بين الجيوش وأجهزة الاستخبارات والسلطات المدنية المعنية بالبنية التحتية وجهات إنفاذ القانون والمجمعات الصناعية التابعة للقطاع الخاص.
كما يجب ألا نتجاهل العلاقة شديدة التعقيد بين أوروبا والصين، فالصين شريك تجارى مهم لأوروبا، ولكنها منافس تكنولوجى لها، فى نفس الوقت الذى تعتبر الصين فيه لاعب استراتيجى رئيسى على الصعيد العالمى ولها علاقات قوية مع روسيا، وهو الأمر الذى يعقد من الحسابات والتقديرات والخطط الأمنية والاستراتيجية الأوروبية. ومن مصادر قلق أوروبا أنها تعتمد بدرجة مرتفعة على سلاسل الإمداد الصينية لتوريد الموارد المعدنية والبطاريات وتكنولوجية الطاقة الشمسية، وكذلك بعض المدخلات للصناعات الأوروبية. وتوجد لدى الأوروبيين بعض المخاوف إزاء المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيات الحساسة، والتنافس الصناعى مع الصين. ويبقى الهاجس الأكبر هو أن اندلاع أزمة دولية بشأن تايوان من شأنها أن تعيق حركة وتدفقات التجارة الدولية، كما هو حادث اليوم مثلًا، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وتحاول أوروبا أن توازن بين علاقاتها الاقتصادية مع الصين وبين الحاجة لتخفيض درجة تبعيتها وحماية التكنولوجيات الحيوية لديها والحفاظ على أمن وسلامة فرص وصولها إلى الأسواق العالمية.
وعلى جانب آخر، وعلى الحدود الجنوبية لأوروبا، تقع مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والساحل والصحراء، بكل ما تشهده من صراعات ووجود لحالات دول ضعيفة أو مفككة، وتحمل مخاطر تصدير تهديدات لأوروبا، سواء الإرهاب، أو الجريمة المنظمة، أو تهريب الأسلحة، أو الهجرة غير الشرعية، أو غيرها. وتبقى الخطورة الرئيسية للشرق الأوسط بالنسبة للمخاوف الأمنية والاستراتيجية الأوروبية هى كونها مصدر الطاقة الرئيسى، كما أن بها تمر طرق النقل البحرى الحيوية للدول الأوروبية. وتحاول أوروبا التعامل مع تلك التحديات عبر حزمة من السياسات التى تجمع ما بين حسن إدارة الحدود وجهود مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات الاستراتيجية لدعم التنمية الاقتصادية فى دول الجوار المتوسطية والإفريقية وتوظيف الدبلوماسية الوقائية للحيلولة دون اندلاع الأزمات والصراعات والحروب.
ويقودنا الحديث عن أهمية الشرق الأوسط لأوروبا بسبب إمدادات الطاقة إلى الحديث عن محورية مسألة الطاقة بالنسبة للأمن الأوروبى. فمن الصحيح أن أوروبا قد نجحت فى تقليل اعتمادها على موارد الطاقة القادمة من روسيا، إلا أن استمرار الاعتماد على الطاقة الواردة من الخارج، والبنية التحتية للكهرباء والتنافسية الصناعية، كلها تمثل مصادر قلق استراتيجية. فإن أى أزمة أمنية ممتدة زمنيًا، مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران، وتؤدى إلى ارتفاع فى أسعار الطاقة، وتؤدى إلى اضطراب فى النقل البحرى الدولى واضطراب مماثل فى سلاسل الإمداد، سوف تفرض زيادات فى الإنفاق العام، وتضعف القاعدة الضرورية للصناعات الدفاعية لدى الدول الأوروبية. كذلك فإن ارتفاع حجم الدين العام الداخلى، والتنافس على موارد الميزانيات الوطنية، تقللان من فرص الاستثمار الأوروبى فى الصناعات الدفاعية.
ولا يمكن أن نغفل عن حقيقة أن الحرب الروسية الأوكرانية قد أظهرت أهمية الإسراع بمعدلات الابتكار فى الصناعات العسكرية، خاصة النظم العسكرية غير المكلفة ماديًا. فالاعتماد على استيراد التكنولوجيات والخدمات العسكرية المتقدمة من الخارج توجد لدى أوروبا حالة ضعف استراتيجى مما يتطلب منها ضرورة التركيز على إنتاج وتطوير قدراتها التكنولوجية العسكرية المتقدمة، وتقديم خدمات الصيانة لها وتحديثها باستمرار على نطاق واسع.
كما أن تغيرات المناخ لا تبدو بعيدة عن كونها تمثل أخطارًا أمنية واستراتيجية على أوروبا، سواء حدثت داخل القارة أو فى المناطق المتاخمة لها. فهى تؤثر بالضرورة مثلًا على متطلبات الأمن الغذائى، وهو الأمر الذى يفرض بلورة خطط طوارئ لدى دول القارة لمواجهة إمكانيات حدوث تلك المخاطر، وذلك على الصعيدين العسكرى والمدنى، وفيما يتعلق أيضًا بمخزونات الطاقة والغذاء وضمان استمرار عمل الخدمات العامة الأساسية.
وهكذا نرى أن التحديات والتهديدات والمخاطر ذات الطابع الأمنى والاستراتيجى تتنوع أمام دول أوروبا، سواء فى الوقت الحاضر أو فى المستقبل القريب، وبعضها يأتى من داخل القارة والبعض الآخر يأتى من خارجها، وذلك على النحو الذى يفرض أسئلة حاولنا قدر الإمكان تناولها فى هذا المقال، وهى لا تنفصل عن ما فصلناه فى مقالين سابقين عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية فى القارة، وكذلك عن أوضاعها الاجتماعية والثقافية التى سوف نعرض لها فى المقال المقبل والأخير فى هذه السلسلة من المقالات.