أسئلة صعبة، طرحت على منظومة مجلس التعاون، يوم الإثنين الماضى، وبخاصة على مجموعة (عصب) المنظومة، فى ظل اشتعال بؤر النار فى الإقليم وخاصة اليمنية، واختلال النظام الدولى، وتبدل الأدوار والأوزان، وتحولات التقانة وأدوات الحروب.
أسئلة صعبة للغاية، فى مناخات ليس فيها الكثير من الخيارات الجيدة، إنما فيها الكثير من الهواجس المستجدة. سبعة شهور مرّت، تحوّل فيها حوض الخليج العربى، إلى بحيرة ملتهبة، وفى خاصرتها اليمنية خارطة نار أخرى، يصعب تكهن مساراتها وتداعياتها، خاصة أن هناك من يصب الزيت على النار، ومن تشتعل شهوته للتمدد والنفوذ، وتبديل الخرائط.
أعادت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، صياغة المخاطر التى تواجه التجارة والاقتصاد والأسواق والأمن الشامل والطاقة والتقانة.. إلخ، وولدَّت تداعيات أخرى معقدة، ساهمت فى خلقها إدارة مربكة ومرتبكة للأزمة، إدَّعت «أنها تُحسن صنعًا»، وأشاعت شعارات «خفض التصعيد» و«هُدَن متقطعة»، لإنهاء الحرب العبثية، لكنها فى المحصلة، لم توفر مناخًا لقاعدة صالحة للحوار والدبلوماسية الحكيمة والمرنة، ولنهج تسوية سلمية للنزاع، بعيدًا عن الضغوط الاقتصادية الأحادية، والعقوبات خارج القانون والشرعية الدولية.
أصابت هذه الحرب العبثية، بأكلافها الباهظة، كامل بيئة الإقليم، بالهواجس والخسائر، واهتزاز الثقة المتبادلة، وكبُرَ حجم «الفيل فى غرفة التعاون»، الذى كتبنا عنه قبل سنوات، ولم يرغب أحد فى الاعتراف بوجوده، والبحث فى إشكالياته. ومن البيِّن، أن هناك انقسامًا، أو ضبابية فى الرؤية الأمنية الخليجية المشتركة (وكذلك العربية)، فضلًا عن تحالفات (فردية) جديدة، كحلف مكة، وشبه أحلاف أخرى فى شرق المتوسط وغرب آسيا، وهى أحلاف قد تؤدى وظائف سياسية و«تحوطية»، أكثر من كونها أدوات ردع، أو خوض مواجهات عسكرية مباشرة، وربما تضمن احتياجات أمنية وتكنولوجية، وتبادلات فى الطاقة والتقانة والوساطة.
أسئلة أخرى، تحتاج إلى بحث وإجابات واقعية، هل ستبقى منظومة التعاون على حالها الراهن، بانتظار مسارات «تصعيد» جديد، أو نضوج تسوية أمريكية - إيرانية، لا مكان فيها لمقعد لمنظومة التعاون وبخاصة «عصبها»، فى غرفة «طبخ وانضاج» تلك التسوية؟ أسئلة أخرى، للأطراف الفاعلة فى هذه الحرب، هل تحققت أهدافها؟ وهل أضعفت النظام الحاكم فى طهران، أم قوَّته، على غرار ما حدث فى مطلع الثمانينات (الحرب العراقية الإيرانية)؟ وهل غيّرت الحرب حسابات إيران فى الخليج والجزيرة العربية؟ وهل ستظل إيران جزءًا من معادلة الإقليم.. وكيف؟ إنها أسئلة، تستدعى من عرب الإقليم، إعادة تعريف العلاقات البينية التكاملية خليجيًا، إضافة إلى إعادة تعريف العلاقات الجمعية مع إيران، على أرضية احترام السيادة والتعايش وعدم الاعتداء والتدخل فى شئون الآخر.
لا تنتهى الأسئلة حول مستقبل بنية الأمن فى الإقليم، وحماية المشاريع التنموية الكبرى، وإقرار السلام وبنائه وحفظه، واحترام المواثيق الدولية ذات الصلة. وسيظل السؤال المحورى، (فى.... وليس حول) منظومة التعاون، وتطويرها، وبشكل فعَّال، وجمعى، خاصة أن أعضاءها يتفاعلون الآن بشكل (فردى) على طريقة «مسابقة ملكة جمال العالم» مع المعادلات المتغيرة والحسابات الاستراتيجية المعقدة، والتغيرات فى موازين القوة فى الإقليم والعالم.
يحضر مشهد الشاعر المتنبى، حينما تكاثر على بلاده الأعداء، والحيرة تملأ قلبه، وهو ينظر تارة إلى سيف الدولة الحمدانى، الذى تعلو وجهه سحابة الهمّ، وتارة إلى عرب وقد شايع بعضهم كل ناعق، ويقول: «وسوى الروم خلف ظهرك رومُ.. فعلى أى جانبيك تميلُ "آه لو بُعث المتنبى حيًَّا فى هذا الزمان، وشاهد فقط، فضائيات عربية، وهى تعج بخبراء استراتيجيين ومحللين، وهم يتحدثون عن الأزمات العربية وكأنهم ينقلون مباريات كرة قدم. أحسب، والله أعلم، إنه سيقول: «إن أمام العرب زمن جميل قادم، لا يعرف الخيبات ولا الأزمات، ولا التنميات المتعثرة، بشرط أن تتوقف نخبهم السياسية والثقافية وفرسان «صناع المحتوى» عن ترديد شعار: «يا سيدى ما أجملك، وما أعدلك لولاك ما دار الفلك».