النيل المبارك هو مصدر الحياة والرخاء والنماء فى أرض مصر. لذلك كان المصريون منذ زمن القدماء يتابعون مستوى فيضان النيل، ويبتهجون للفيضان الوافى، ويحذرون من الفيضان الواطئ. كان المصريون قديمًا يقيسون مستوى النيل عن طريق مقياسين؛ أحدهما بجزيرة ألفنتين بأسوان، والآخر بمعابد منف عاصمة الدولة القديمة. ونرى على الحجر المسمى «بحجر باليرمو» ــ وهو شاهد حجرى يعود لعصر الأسرة الخامسة ــ تسجيلًا لأسماء الملوك بالتتابع التاريخى، وأسفل اسم الملك تم كتابة مستوى الفيضان فى تلك السنة.
اهتم العرب المسلمون كغيرهم من حكام مصر بمستوى النيل، وكان يقاس بالذراع والأصبع كما كان العرف فى ذلك الزمن. وفى رسالة وجهها عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب: «إنى وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعًا، والحد الذى يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ست عشرة ذراعًا».
وبناءً على ذلك أصبح وصول النيل لمستوى ست عشرة ذراعًا يستحق معه الخراج على أرض مصر. وإن قل النيل عن اثنتى عشرة ذراعًا حصلت المجاعة، أما إذا تجاوز ثمانى عشرة ذراعًا غرقت ربع الأراضى تحت ماء الفيضان، وفور انحساره تنتشر الأوبئة.
ولارتباط ذلك بجمع الخراج، كان من الأهمية بناء مقياس جديد للنيل عوضًا عن مقياس منف القديم. وكان المقياس الأول بحلوان، ثم تم تشييد مقياس النيل بجزيرة الروضة؛ وكان ذلك فى عهد الوالى أسامة بن زيد التنوخى فى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، وتم تجديده أكثر من مرة فى العصور المختلفة التالية.
• • •
وكان موسم الفيضان يبدأ كما ذكر المسعودى فى كتابه «مروج الذهب» فى النصف الثانى من يونيو: «يبتدئ النيل فى التنفس والزيادة بقية بؤونة وهو يونيو، وأبيب وهو يوليو، ومسرى وهو أغسطس. وإذا كان الماء زائدًا زاد شهر توت كله وهو سبتمبر إلى انقضائه».
جرت العادة على أن يدور منادٍ بمصر يوميًا مع بداية الفيضان ليخبر الناس بمستوى النيل بالمقياس. وكان ذلك من أسباب الاضطراب التجارى؛ فإن جاءت الزيادات سريعة انخفضت الأسعار على وعد الفيضان العالى الوفير، وإن جاءت الزيادة قليلة بدأ التجار فى تخزين السلع وزادت الأسعار. ولهذا أمر الخليفة المعز لدين الله بمنع النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى قائده جوهر الصقلى.
وكان عندما يصل المقياس إلى ست عشرة ذراعًا يُنادى بوفاء النيل وبفتح الخليج المصرى. والخليج المصرى هو قناة كانت تمتد من النيل وتبدأ قرب مجرى العيون عند الميدان المسمى حاليًا «بفم الخليج»، وكانت تمتد حتى صحراء الخانكة مرورًا بالبرك التى كانت موجودة بالقاهرة مثل بركة الرطل وبركة الأزبكية وبركة الفيل. وكان يُقفل فم الخليج بسد ترابى قبل بداية الفيضان ولا يُفتح إلا بعد وفاء النيل. وهذا الخليج كان الجزء الباقى من القناة التى حُفرت بين النيل وخليج السويس فى بداية الفتح العربى الإسلامى.
كان هناك أكثر من سد ترابى على الخليج المصرى لا تُفتح إلا بمواعيد معينة وفى حالة كفاية المياه. فالسد البرانى عند فم الخليج كان يُفتح عند وفاء النيل كما أسلفنا، وكان يتم سد القنطرة الأميرية (وهو أصل اسم حى الأميرية الحالى) ولا تُفتح إلا يوم النيروز أى الأول من شهر توت، فيمر الماء إلى جسر شبين القصر (شبين القناطر حاليًا). ويُقفل جسر شبين القناطر ولا يزال مغلقًا إلى يوم عيد الصليب، وهو اليوم السابع عشر من توت.
• • •
وكان الاحتفال بفتح الخليج المصرى يتم بعد ثلاثة أو أربعة أيام من النداء بوفاء النيل. وكان احتفالًا كبيرًا يحرص حكام مصر على إحيائه؛ لإشارته إلى أن الخير سيعم على الأهلين. ويخبرنا المؤرخ ابن زولاق فى كتاب «سيرة المعز لدين الله»: «وفى ذى القعدة، من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة للهجرة، وهى السنة التى قدم فيها الخليفة المعز لدين الله إلى القاهرة من بلاد المغرب، ركب المعز لدين الله، لكسر خليج القنطرة، فكسر بين يديه، ثم سار على شاطئ النيل، (..) ثم عطف على بركة الحبش، ثم على الصحراء على الخندق الذى حفره القائد جوهر».
ويكمل المقريزى وصف الاحتفالات فى عصر الفاطميين: «وصعد الخليفة ووزيره، وأولاده وإخوته والأصحاب والحواشى إلى السكرة، (..) وفتحت الطاقات التى فى المنظرة، وعن يمينه وزيره، وعن يساره أخوه جالسان، واعتمد الناس جميعهم عند مشاهدته تقبيل الأرض له، وإدامة النظر نحوه، والمستخدمون جميعهم على السدّ مشدودى الأوساط واقفين عليه. فلما أمرهم الوزير أن يكسروه: قبلوا الأرض جميعًا، وانصرفوا عنه، وتولته الفعلة فى البساتين السلطانية بالفتح من الجانبين، والقرآن والتكبير من الجانب الغربى؛ حيث الخليفة والرهج واللعب من الجانب الشرقى».
ويذكر على باشا مبارك فى كتاب «الخطط التوفيقية» ما كان يجرى فى عهد العثمانيين: «وينزل والى مصر فى وقت الصباح من القلعة، وينزل إلى بولاق للسفن المزينة التى أعدت له وللصناجق والأمراء تجاه الترسخانة، فينزل هناك بها ويقلع من السفائن التى هو بها، ويقلع خلفه جميع الصناجق بسفائنها وكذا الأمراء، ثم تضرب المدافع العديدة، ولا يزال سائرًا من بحر مصر العتيقة إلى المقياس بالروضة، وذلك حين يبقى لوفاء البحر أقل من عشرين إصبعًا، ويجلس فى المقياس المذكور إلى أن يصير البحر ست عشرة ذراعًا، وتارة يجلس بعد الوفاء يومًا أو يومين ويعمل العرائس النفيسة، ويقع من القصف واللهو ما لا يحصى».
واستمرت تقاليد الاحتفال بوفاء النيل الذى كان يحدث فى أغلب السنوات فى شهر مسرى المقابل لشهر أغسطس حتى القرن التاسع عشر فى عهد محمد على وخلفائه، وعُدّ من الأيام التى تعطل فيها دواوين الحكومة. ولأن يوم الاحتفال كان متغيرًا، فكان يكتب فى التقويم الرسمى الحكومى بعد عام 1875 أن الاحتفال بوفاء النيل فى النصف الثانى من شهر أغسطس. ويروى لنا على باشا مبارك تقاليد فتح الخليج فى أواخر القرن التاسع عشر فيقول:
إنه متى بلغ النيل فى مقياس الروضة فوق خمس عشرة ذراعًا وبعض أصابع، تحرر من طرف المحافظة ثلاثة خطابات:
الأول: إلى ديوان الأشغال العمومية: ويحدد فيه يوم مرور الرايات بشوارع القاهرة وحاراتها، ويوم وفاء النيل، وهو يحرّر من طرفه إعلانات إلى مشايخ الطوائف جميعها يعين فيه لهم يوم مرور الرايات الموافق كذا من الشهر، ويأمرهم بالتوجه إلى منزل المعمار بالملابس الحسنة والركائب المزينة.
والثانى: إلى ديوان الانجرارية (وهى ما يقابل النقل النهرى حاليًا): يخبر فيه بإحضار سفينة كبيرة وتزيين حبالها وصواريها بالرايات، وتعليق القناديل والفوانيس الورق الملوّنة وغيرها، وبوضع المزيكة والآلات. ثم يكون خلف مسير الموكب سفينة أقل منها درجة، وبها الموسيقات والطبول والزمور، وخلف هذه سفينة فيها المدافع والعسكر.
والثالث: لشيخ المنادين: يأمره فيه المحافظ بأن يدور بالمنادين وأولادهم فى شوارع القاهرة وحاراتها، ويخبر عن يوم الوفاء، فيخرج فى اليوم المذكور، ويجمع الصغار فرقا فرقا، وبأيديهم الجريد والبوص وعليها الرايات من البفتة الملونة بالأخضر والأصفر والأحمر والأبيض، ويطوفون بالأزقة وينادون. فبعضهم يقول: البحر زاد وغرّق البلاد والبعض يرد عليه بقوله: أوفى الله.
وعن ليلة فتح الخليج يذكر على باشا مبارك: «تكون هذه ليلة من ليالى الفرح والسرور لا ينام فيها أغلب أهل القاهرة ومصر العتيقة وبولاق وما جاورها من البلاد، ويكون الطريق جميعه مطروقًا، فالرجال يتوجهون إلى الخليج ويعودون إلى منازلهم لأجل الفرجة، وكذلك النساء، وتسمع المغانى والألحان من أغلب البيوت المطلة على الخليج، وكثير من الأمراء والأعيان وغيرهم من سكان جزيرة الروضة ومصر، تجعل تلك الليلة موسمًا للأذكار والقراءة».
• • •
رغم ردم الخليج المصرى ومعه برك القاهرة فى نهاية القرن التاسع عشر وما تلاه من بناء خزان أسوان وانتفاء الغاية من مقياس النيل بالروضة، إلا أن الاحتفال الرسمى استمر فى نفس المكان عند فم الخليج. ثم لاحقًا رُؤى نقل الاحتفال إلى حديقة المسلة بالجزيرة، وهى المشاهد التى نرى جزءًا منها فى فيلم «عروس النيل» الذى صُوّر فى الستينيات. إلا أنه بعد نكسة 1967 أُلغى الاحتفال توفيرًا للنفقات ولم يرجع رغم بقائه مذكورًا ضمن العطلات الرسمية للحكومة فى النصف الثانى من أغسطس.
فى السنوات القليلة الماضية عاد الاحتفاء بوفاء النيل يوم 15 أغسطس وإن كان دون احتفال رسمى كما فى الماضى. ونتمنى أن يعود الاحتفال الرسمى والشعبى بهذه المناسبة المصرية؛ فالنيل كان وما زال وسيظل شريان حياة المصريين.