عن الذكاء الاصطناعى والتذاكى المتناهى - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الأربعاء 15 يوليه 2026 8:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل المونديال؟

عن الذكاء الاصطناعى والتذاكى المتناهى

نشر فى : الأربعاء 15 يوليه 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يوليه 2026 - 6:45 م

فى المؤتمر السنوى للجمعية الاقتصادية الملكية الذى عقد الأسبوع الماضى بمدينة نيوكاسل الإنجليزية، كان موضوع الذكاء الاصطناعى حاضرًا بقوة، سواء فى الجلسات التى خصصت له، أو تلك التى ناقشت قضايا متنوعة أخرى، ولكنه حل فيها بتطبيقاته، وحلوله، وفرصه، ومعضلاته. وفى الجلسة الرئيسة الأولى تحدث الاقتصادى كريستوفر بيساريديس، الحائز على جائزة نوبل، والأستاذ بمدرسة لندن للاقتصاد وجامعة قبرص، فاستعرض مستجدات مربكات الذكاء الاصطناعى فى سوق العمل، وطرحت عليه سؤالين فى نهايتها أفاض فى الإجابة عنهما؛ الأول عن مقاييس الاستعداد للذكاء الاصطناعى، والثانى عن سبل التعامل مع التفاوت الذى يسببه الذكاء الاصطناعى بين البلدان المختلفة، وداخل هذه البلدان بين أقاليمها، وقطاعاتها.
يشترك الكثيرون فيما استخلصه بيساريديس عن أن أثر الذكاء الاصطناعى على سوق العمل تكتنفه ظروف اللايقين، شأنه فى ذلك شأن الكثير من المتغيرات فى عالم اليوم. فمن باحثى تقنيات الذكاء الاصطناعى من يبشر بأن به علاجًا لكل داء، ومنهم من يذهب إلى أنه سيمحق الأرض ومن عليها. كما لم يقصر الاقتصاديون فى ممارسة ما ألفوه من اختلاف؛ فمنهم يرى أن أثره محدود على العمل، والإنتاجية، ومنهم من قال بضخامة الأثر.
لا ملجأ مع هذا التباين لاستبيان التوجه إلا بالبحوث التطبيقية حتى تنطق البيانات والأدلة بما عجزت عنه طرق الاستدلال بمشاهدات محدودة. وتشير البحوث الميدانية إلى أن العمال يسودهم تخوف بشأن استدامة أعمالهم، ومدى مناسبة مهاراتهم للأعمال التى سيكلفون بها فى عصر الذكاء الاصطناعى. أما أرباب الأعمال فيخشون المنافسة العاتية من المتسلحين مبكرًا بالذكاء الاصطناعى، وأكثرهم ليس على بينة أى تطبيق للذكاء الاصطناعى مفيد لهم. ومنهم من يستعين بكفاءات جديدة مؤهلة بالمستجد فى الذكاء الاصطناعى، ولكن لا يستفيدون منهم بالقدر المبرر لتكلفتهم. وحتى الآن يستخدم الذكاء الاصطناعى كأداة معاونة. ولكن المربكات الأكبر أثرًا لن تظهر إلا مع بلوغ ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعى العام» مداه؛ بمعنى قدرته على نقل معرفته من مجال محدد إلى مجالات أخرى لا علاقة لها ببعضها البعض. كأن ينتقل من ممارسة لعبة الشطرنج، والفوز فيها، إلى حل مسائل الفيزياء، إلى طهى الطعام. وهو ما لم يحدث بعد. ولكن ما يحدث فى أسواق العمل فى الولايات المتحدة والصين وأوروبا -وفقًا لدراسات بيساريديس- يشير إلى أن حالات تدمير فرص العمل الناجمة عن الذكاء الاصطناعى ما زالت محدودة، وإن كان الأثر قد بدأ المتقدمون الجدد للعمل يستشعرونه بالفعل، إذ حلت محلهم تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى المهن المساعدة للمحاسبة، والقانون، على سبيل المثال.
وهنا أتى سؤالى عن التوافق بين مقاييس الاستعداد للذكاء الاصطناعى التى تقوم بها مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولى، ومقياس المربكات الذى طوره بيساريديس وفريق العمل معه. إذ يشمل مؤشر صندوق النقد الدولى مكونات عن: مرونة سوق العمل ورأس المال البشرى، والبنية الأساسية التكنولوجية، والحوكمة، بينما يتضمن مقياس المربكات بُعدى التحول التكنولوجى، باستثماراته ومبتكراته، وكذلك مدى الاستعداد للتحول التكنولوجى من حيث رأس المال البشرى، والبنية الأساسية الرقمية. وكانت إجابة البروفسور بيساريديس بتأكيد توافق مقياسه مع مؤشر صندوق النقد، وأنه فى تشاور مستمر مع المؤسسة الدولية، لما لديها من قدرة على النشر، والتحديث الدورى.
وهنا ألفت النظر إلى أن البلدان العربية، إلا قليلًا، لا تظهر فى الجانب المضىء من خريطة العالم للاستعداد للذكاء الاصطناعى وفقًا لمؤشر صندوق النقد الدولى. بما فى ذلك ما يتضمنه من قواعد للحوكمة، والرقابة، وحماية الحقوق. ولا أرى فى تعاملنا مع تقارير المؤسسات الدولية إلا سبيلين لا ثالث لهما. الأول: الرضا، والاقتناع، والتسليم بما جاء فيها إذا ما رأى المسئولون أنها تعكس الحقيقة، وعليهم عندئذ الاستمرار فيما هو لائق، وإصلاح الأوضاع الأخرى لتحسين تصنيفهم الذى تسترشد به مؤسسات الاستثمار، والشركات التجارية، ومراكز البحث. أما إذا رأى المسئولون أن هذه التقارير لا تعكس واقع بلادهم -إما لقصور فى منهج القياس، وإما لعجز فى البيانات- فعليهم إيضاح ذلك علنًا كما فعلت الهند مؤخرًا لعدم رضاها عن تصنيفها فى مؤشر صندوق النقد المذكور. أما التذاكى باتباع نهج اللا مبالاة باعتبار أن ما قد يثيره من ضجة لا داعى لها، فقد ثبت فشله فى هذا الأمر، وغيره. فلا تُتقى شرور العلات بتجاهلها، وإن لم تكن هناك علة أصلًا فليعلم هذا القاصى والدانى.
أما السؤال الثانى فهو عن الواجب فعله مع مناطق فى العالم ستتخلف لقصورها فى جهود الصمود، والتطوير الواجب مع مستحدثات الذكاء الاصطناعى، وما سيترتب عليها من زيادة دخول الأكثر استعدادًا لها وفقًا للمؤشرات المذكورة! هل تترك لآليات إعادة التوزيع بفرض الضرائب على ثروات ارتفعت بفعل إجادة الذكاء الاصطناعى، والهيمنة على ممكناته، وتوزيع الحصائل على من تدهور حالهم بشكل مطلق أو نسبى بسببه؛ بمنحهم دخولًا أساسية شاملة؟ أم يمكن ترك المناطق التى لا تظهر عليها أمارات إجادة الذكاء الاصطناعى كأماكن للترفيه، ومنتجعات لسياحة أغنياء الذكاء الاصطناعى ينفقون فيها وعلى قاطنيها فوائضهم؟ وقد أشار إلى هذا السيناريو الاقتصادى الأمريكى كينيث روغوف فى وصفه للمصير الأوروبى المتراجع أمام التقدم الأمريكى والصينى فى الذكاء الاصطناعى أم أن هناك من سبيل لاحتواء الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية بتوزيع منافع الذكاء الاصطناعى لزيادة الكفاءة، وتنويع فرص الكسب؟ والإجابة تستوجب تفصيلًا يتناوله مقال قادم.

نقلًا عن الشرق الأوسط

التعليقات