الحديث على طريقة «تشاتام هاوس» - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الخميس 23 أبريل 2026 4:25 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الحديث على طريقة «تشاتام هاوس»

نشر فى : الأربعاء 22 أبريل 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 أبريل 2026 - 6:10 م

على مدى الأسبوع الماضى عُقدت، كما هو معتاد فى هذا الوقتِ من كلّ عام ما يُعرفُ باجتماعات الرَّبيع للبنك الدولى وصندوق النقد الدولى؛ وتلتها مباشرةً كمَا جرت العادة أيضًا، اجتماعاتُ منتدى تمويل التنمية الذى تنظمه الأمم المتحدة فى نيويورك. ولعلَّك اطلعتَ على أهم ما أتت به تقارير هذه المؤسسات عن مستجدات الاقتصاد العالمى والتنمية؛ وهى لا تسرُّ بحال وإن حاولت التَّستر بالتجمل فى عرض التوقعات.

 


ولكن بما يفيد التجميل فى تغيير واقع كئيب لاقتصاد عالمى يواجه تضخمًا أعلى فى الأسعار، وانخفاضًا أكبر فى معدلات النمو إثر تداعيات أزمة طاقة غير مسبوقة، وتنهكه صدمات متوالية تقذف بأهداف التنمية بعيدًا عن قدرات الساعين إليها، وتهدر إمكانات عموم الناس.
ويدرك الدائبون على المشاركة فى هذه الاجتماعات الرسمية أنَّ أهمَّ ما يتم تداوله ليس بالضرورة هو ما يجرى على مسمع ومشهد من الجموع المشاركة، ولكن ما يجرى فى جلسات مغلقة وأخرى ذات طبيعة خاصة. وللتوضيح، فهناك أربعة مستويات من الفعاليات الدائرة فى هذه الاجتماعات: الأول منها متاح للجميع من المسجلين للحضور بما فى ذلك وسائل الإعلام التى تنقل ما يدور فيها من ندوات ومؤتمرات مفتوحة. الثانى هو الاجتماعات الرسمية الوزارية كجلسة لجنة التنمية للبنك الدولى، وجلسة اللجنة النقدية والمالية لصندوق النقد الدولى، ولا يعرف عنها غير المشاركين فيها إلا ما يخرج من بيان عنها، أو ما يتسرب منها إذا كان مستحقًا للتسريب. الثالث هو الاجتماعات المغلقة الثنائية بين ممثلى الدول من ناحية، وإدارات الصندوق والبنك كمؤسستين دوليتين حكوميتين من ناحية أخرى، وهى محكومة بقواعد الحفاظ على السرية وفقًا لما يدور فيها، مثل تقييم سياسات سعر الصرف والفائدة، والقدرة على سداد الديون، والأمور ذات التأثير الجوهرى على الاقتصاد، مثل الإجراءات الضريبية والجمركية. أما المستوى الرابع، فهو ما اصطلح على تسميته اجتماعات تعقد وفقًا لقواعد معهد «تشاتام هاوس»، نسبة للنظام الذى ابتدعه «المعهد الملكى للشئون الدولية» بلندن فى العشرينات من القرن الماضى، ويقضى بأن المشاركين فى هذه اللقاءات لهم الحرية فى استخدام المعلومات التى يحصلون عليها مع حظر الكشف عن أسماء أو هوية المتحدثين، أو أى من المشاركين. وقد تبنى المعهد هذا النهج تشجيعًا للمشاركين على التحرر من القيود الوظيفية والانتماءات تيسيرًا للحوار، بخاصة فى المواضيع الخلافية والجدلية.
وقد انتشرت مؤخرًا الجلساتُ التى تعقد على هذه «الطريقة التشاتامية»، والتوسع فى استخدامها لأسباب موضوعية ولاعتبارات تسويقية وتشويقية. أما الأسباب الموضوعية، فمن أهمها شيوع الخوف والحذر من التعبير المباشر عن الرأى، حتى فيما كان يعرف بالعالم الحر؛ لظروف الاحتقان والاستقطاب المتزايدة. أما اعتبارات التسويق والتشويق فشارحة لذاتها؛ إذ تكاثرت الفعاليات والندوات التى تعقد أثناء الاجتماعات الرسمية المذكورة فى واشنطن ونيويورك، ويسعى منظموها من مراكز أبحاث وبنوك استثمار وشركات عالمية وبيوت استشارية إلى جذب أعداد معتبرة كمًا ونوعًا من المشاركين. ويجدون فى استخدام هذه الطريقة ما قد يستحث البعض على الحضور من الباحثين عن تميز مفترض أو خصوصية مدعاة. وقد ينتهى أمر اللقاء المحتشد إليه كغيره بالاستماع إلى كلام مكرر لا جديد فيه إلا شخص قائله المتحوط بالطريقة التشاتامية!
ولأضرب أمثلة لما دار من مواضيع فى ثمانى جلسات شاركت فيها تحرت هذه الطريقة، من دون إفصاح عن المشاركين بها كما يقضى الأمر:
- مستقبل الدولار وتراجع دوره كعملة احتياطى دولى.
- توجهات البنوك المركزية فى إدارة السياسة النقدية، ونظم الدفع ودور الأصول المالية المشفرة.
- احتمالات سقوط الاقتصاد العالمى فى «ركود تضخمى»، بمعنى تزامن ارتفاع معدلات التضخم مع انخفاض النمو وزيادة البطالة.
- توقعات زيادة أعداد الدول النامية فى فخّ الاستدانة والتعثر عن السداد.
- مستقبل التعاون الإنمائى الدولى، وحدود تراجع البلدان المتقدمة عن دعم المؤسسات التنموية وإذا ما كانت تواجه مخاطر وجودية.
- الاختلالات الاقتصادية الدولية ومآلات الصراعات الجيوسياسية الراهنة.
- الكاسبون والخاسرون من الحروب الدائرة، وسبل التوقى من حروب قادمة.
- حوكمة المؤسسات المالية والمنظمات الدولية، وسبل مساندة بلدان عالم الجنوب، بخاصة مع مراجعة نظام الحصص فى صندوق النقد الدولى، وقواعد المساهمة فى رأسمال البنك الدولى، وأجندة إصلاح الأمم المتحدة، فضلًا عن قواعد اختيار قيادات هذه المؤسسات، ومدى توافق هذا كله مع ما يشهده العالم من تغير فى موازين القوى السياسية والاقتصادية.
قد يرى بعضٌ أنَّ جزءًا من هذه المواضيع، إن لم يكن كلها، متواتر ولا يستدعى حوارًا معتمًا لوصف المشاركين فيه وما قالوه، ولكن حقيقة الأمر أن البعض يفضل هذا الأسلوب للأسباب التى عرضتها. ومن السذاجة أن يفترض المشاركون سرية مطلقة لما يدور فى عالم يذاع فيه أى أمر، بخاصة إذا صُنّف على أنه سر. ولكن حقيقة الأمر أن كثيرًا مما يدور على استحياء فى مثل هذه الجلسات يتصاعد حتى يكون على موائد الحوار العلنى، بعدما تستكمل البيانات، وتتبلور الأفكار، ويحشد لها المروجون والأنصار.
وفى حين تكتفى ببيانات وتقارير رسمية بشرح مقتضب عن أوضاع الاقتصاد العالمى والتعلل بظروف اللايقين، وعدم اكتمال المعلومات، فتتبرع بقائمة من التصورات المتفاوتة والسيناريوهات المتعددة التى لا تهدى الباحثين عن رؤية محددة، قد تجد ضالتك بين جنبات هذه الجلسات المتحررة من القيود الرسمية، إلا قليلًا.

 

نقلًا عن الشرق الأوسط

التعليقات