عندما تفقد الكلمات معناها، أو هكذا يبدو، ويتعب الكلام من الكلام فى شرح المشروح أو إعادة التذكير ببعض من أجزاء التاريخ الحديث، عند كل ذلك تلملم بعضك وترحل صوب الأرض التى تعرف أنها ستحتضنك وستستقبلك بحضنها الدافئ.
• • •
فى زمن تبهرك فيه الأحداث، عندما كنت تتصور أنه لا مساحة بقيت لإبهار أو انهيار أكبر، تعود ليناديك صوت نيلها وضجيج شوارعها وطرقاتها وأصوات أغانى المهرجانات أو أم كلثوم لبعض «الذويقة»، تختلط الأصوات القادمة من مكبرات الصوت فى القوارب الشراعية أو المراكب الصغيرة، أما الفلوكة فهى الأكثر استمالة للاستماع لصوت الماء الملامس لحوافها فى هدوء وسط الضجيج. كلها سابحة فيما يشبه المهرجان المفتوح الدائم.
• • •
ترحل فى شوق فتستقبلك المدينة بما تركتها عليه، باستثناء بعض التغيرات هنا وهناك طبعًا، فالقاهرة هى من خلقت مفهوم الاستدامة ربما فى ذهن كثير من أبناء الخليج، خاصة منهم من عرفها فى مراحل ما قبل السبعينيات. هناك لهذه المدينة رائحة خاصة وتفاصيل لا تستطيع إلا أن تحبها، حتى ولو بدت تتغير وأصابها بعض ما يصيب المدن الكبرى من تحولات وغيرها.
• • •
وربما السر ليس فى المدينة وحدها، بل فى أهلها. فى أم على التى تدير حركة السيارات فى وسط البلد وكأنها تحفظ نبض المكان، وفى عم أحمد الذى ما زال يقود سيارته الأجرة برضا السنين، وفى فتحية التى تبيع الورد وتبتسم لمن يعود. يقول صديقى المصرى: «المصريون لا ينسون من يحبون»، وهذه ليست مجرد عبارة عابرة، بل وصف دقيق لشعب يحفظ الود كما يحفظ الألم.
• • •
فى زمن بعيد جدًا كانت هى المصيف أو المحطة الأولى لرحلة الصيف، مرورًا بالإسكندرية والاغتسال بماء بحرها المنعش، وانتهاءً بجبال لبنان.
صور تبقى أكثر حضورًا رغم تعاريج الزمن، وكأنك أحيانًا لا تريدها أن ترحل، فتحفظها فى خزينة خاصة فى الذاكرة لا يدخلها إلا المقربون. بورسعيد والفسحة بالحنطور وأكلة سمك لذيذة. حفلة لعبد الحليم ومسرحية، ولا ننسى فرقة رضا التى علمتنا كيف يكون الرقص فنًا راقيًا... وغيرها وغيرها.
• • •
أول وصولك إلى القاهرة تحتضنك المدينة وكأنكما تفارقتما بالأمس، شىء يشبه العشق المعتق فى زنبقها. تبدأ فى تفقد الأماكن؛ هنا تغير وهناك ممشى، وكل الأصدقاء أصبحوا بعيدين عن وسط البلد، فاللقاءات بحاجة إلى تخطيط مسبق، وإلا وقعت بين كماشتى الزمن السريع والطرق السريعة!!! بالتأكيد ليس كل التغييرات تنال إعجاب القادم من مدن الملح، خاصة تلك التى حولت بعض هذه الأرض التى شهدت تراكم حضارات إلى ما يشبه تلك المدن الأسمنتية بيافطات النيون التى تبهر البصر ربما، ولكنها مجرد شكل من أشكال ثقافة الاستهلاك القاتلة.
• • •
لم يكن هذا فقط ما جعل هذه الرحلة مختلفة، بل هى التساؤلات من أهل مصر عن أهل الخليج، والهجمات والانتقادات والعتاب، سمِّها ما شئت، ولكنها خلقت بعض الضجيج المفتعل على وسائل التواصل. ولعل هذا ما جعل الرحلة الأخيرة مختلفة؛ لم تكن مجرد زيارة لمدينة أحبها، بل مواجهة مع أسئلة حملها كثير من المصريين بصدق وعتب واضح: لماذا هذا الهجوم الخليجى على مصر؟ ولماذا يُطلب من المصريين فى كل مرة أن يثبتوا ما هو ثابت أصلًا؟
• • •
الحقيقة أن المصريين ليسوا مع الحرب، ولم يكونوا يومًا دعاة خراب أو دعاة دم، لكنهم يعرفون جيدًا من بدأ هذه الحروب، ومن كان خلفها، وما هى المخططات الأوسع التى تستهدف هذه المنطقة. هم من أوائل الشعوب التى اكتوت بنيران المشروع الصهيونى العنصرى؛ من حرب 1948، إلى العدوان الثلاثى عام 1956، إلى نكسة يونيو 1967، ثم حرب الاستنزاف، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973. وهم أيضًا من حملوا فى ذاكرتهم جرح مجزرة بحر البقر عام 1970، حين قصفت إسرائيل مدرسة ابتدائية وقتلت أطفالًا مصريين، ومن حفظوا ألم معارك السويس وصمود المدينة وأهلها، وما سبقها وتلاها من جرائم بحق الجنود المصريين والمدنيين على حد سواء.
• • •
بعد كل هذا الضجيج الموسمى الذى صنعته بعض الأصوات الإعلامية الخليجية، والذى لا يعكس سوى عتب محدود لدى البعض ــ بدافع سوء تقدير أو فهم لتفاصيل المشهد، أو الخوف، أو الانسياق مع المزاج العام ــ يبقى كل ذلك مجرد فقاعة عابرة فى زمن مرتبك.
كاتبة بحرينية