توقف القصف فضاقت الأرض بعشاقها - خولة مطر - بوابة الشروق
الإثنين 20 أبريل 2026 11:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

توقف القصف فضاقت الأرض بعشاقها

نشر فى : الأحد 19 أبريل 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الأحد 19 أبريل 2026 - 6:05 م

كل مرة يفاجئنا اللبنانيون، كل مرة، فمنذ سنين وهم يعيشون لحظة الوقوف بين نفس وآخر، وكأنهم يقولون: لنعش الآن لأننا لا نعرف إن كنا سنكون هنا بعد قليل. هكذا قال الأخوان، وهما واقفان على أنقاض البناية التى كانت يومًا بيتهما، حيث تحدثا مع والدتهما بالصوت والصورة، وردت عليهما ككل الأمهات اللاتى يطمئنَّ أبناءهن: «أنا بخير.. إحنا بخير ما تعتلوا هم». بعد لحظات جاءت الأخبار ومعها الصور، ومن بينها بيتهم بذاك المبنى، بل إنهم رأوا ما تبقى من بعض قطع منه متدلية من البلكونة.

وهناك عند قلعة شقيف، تسلق شاب القلعة ومزق علم إسرائيل، بل ورماه فى الوادى البعيد، ومكانه رفع العلم اللبنانى.. ليست المرة الأولى، بل فى كل حرب يتكرر المشهد، ربما بتفاصيل مختلفة وأسماء لشباب آخرين، ولكن هو هو، يفاجئنا اللبنانيون نساء وشبابًا وأطفالًا وشيوخًا ورجالًا ومقاتلين مقاومين محبين لأرضهم.. وهناك وقفت فاطمة، العائدة بعد لحظات فقط من إعلان وقف إطلاق النار، لتردد على الجنود الصهاينة المختبئين خلف الشجرة، أو هكذا بدأت، تقول لهم: ارحلوا فهذه الأرض ليست لكم وها قد عدنا، وتعيدها وتقترب بنظرات مليئة بفرح العودة.

  • • •

يبهرك اللبنانيون، فما إن تتوقف مكنة الموت القادمة من السماء والبحر حتى تزدحم الطرقات «غير السالكة» إلى الضاحية والجنوب والبقاع وكل أرض استباحوها. تكتظ الشوارع، أو ما نجا منها من قصفهم، والأزقة والأوتوسترادات العريضة التى نالها نصيب من ذاك الدمار. ازدحمت الطرق بالنازحين فى عرباتهم التى تكدست فوقها فرش الإسفنج، تلك التى أصبحت مرادفة للنزوح الدائم فى لبنان.

  • • •

الآلاف يتسابقون ليحضنوا ما تبقى من منزل أو محل أو مزرعة صغيرة أو أو، رغم أن التحذيرات من ما تبقى من قنابل لم تنفجر أو حتى ألغام تزداد، إلا أن عشقهم أقوى من خوفهم ربما. لم توقفهم الجسور المحطمة، بل خاضوا فى مياه الأنهار ومجاريها، فى مشهد أعاد لنا ما رأيناه فى 2006، هو هو، وهم نفسهم ربما، بعد أن خسروا أفرادًا آخرين من عائلتهم أو جيرانهم أو أصحابهم، هم يتدفقون دون انتظار. لا دموع هنا إلا دموع فرح العودة وحزن الذين رحلوا. فتيات يرفعن أيديهن بعلامات النصر، وأخريات ينشدن الأغانى، وأطفال يبحثون بين ركام بيتهم عن أى من بقايا ألعابهم وأشيائهم الحميمة. لا تزعجهم زحمة السير واكتظاظ الطرقات كعادتهم فى أيامهم السابقة للحرب، بل يردد بعضهم بأنها أحلى زحمة، أو كما يقول اللبنانى «أحلى عجقة سير».

  • • •

يبهرك اللبنانيون بحبهم للحياة وأرضهم كما رأينا أهل غزة وفلسطين الماسكين على الجمر والموت المتشبثين بتراب الأرض وملح بحرهم. وصل الجنوبيون، أو بعضهم، لقراهم وبلداتهم قبل أن تخرج الميركافا الإسرائيلية، أو بعضها، كانوا هم الماسكين بتراب الأرض أسرع من الماسك على زرار الموت والدمار!!. طارد الأطفال الجنود الإسرائيليين الذين كانوا حتى قبل أقل من شهر يحلمون بالبقاء والعيش هنا على هذه الأرض جنوب الجنوب!!

  • • •

بقى على اللبنانيين الآن أن يدفنوا موتاهم، هناك فسحة، إلا أن المقابر صابها ما أصابها من مجازر على اتساع وطن، قال الأخوين: سندفن أمنا وأخينا هنا فى بيروت حتى نستطيع نقلهم إلى مقابرنا فى النبطية جنوبًا. كم محزن أن لا يجد الشهيد حفرة فى أرضه وحفنة من تراب فوقه. تساقطت الوجوه والأسماء الآن، هناك فسحة أو بعض فسحة للبكاء على من رحلوا، هناك وهناك وفى كل بقعة من تلك الأرض.. أطفال ونساء، شاعرات وفنانين وكُتاب وصحفيين ومهندسين وأطباء ومسعفين وكثيرين غيرهم. الآن يستطيع اللبنانيون أن يتنفسوا قليلًا بعيدًا عن رائحة الموت، ويقوموا بطقوس الحب للأرض والإنسان الذى دافع عنها، وفى انتظار جولة أخرى من حرب الإبادة، ستفتح بيروت بل كل لبنان أذرعها للقادمين بقلوبهم الباحثين عن معنى العيش بكرامة وعزة.

وكأنهم يرددون ما قاله درويش: «إنهم يحبون الحياة أيضًا»، نعم هم من يحب ويعرف معنى الحياة.

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات