زحمة يا دنيا.. كواليس رسالة عدوية وهاني شنودة التي وصلت للرئيس السادات وغيرت الشارع - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 4:30 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

زحمة يا دنيا.. كواليس رسالة عدوية وهاني شنودة التي وصلت للرئيس السادات وغيرت الشارع

محمد حسين
نشر في: الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 10:48 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 10:49 ص

محطات كثيرة تحظى بها رحلة الموسيقار الراحل هاني شنودة، كان أبرزها ما اعتبره أهل الفن خروجا عن القوالب التقليدية إلى الحد الذي يتخطى التجديد؛ وهو ما تجلى في أغنية "زحمة يا دنيا زحمة"، التي غناها الراحل أحمد عدوية وتخطت الوصف المجرد للأغنية الشعبية في التسلية والإمتاع وحملت رسائل اجتماعية كانت جديدة على الشارع المصري آنذاك، حتى أن الرئيس محمد أنور السادات التقط ما كان يُقصد من جانب السائقين بها ليعيد الانضباط إلى الشارع.

ورحل الموسيقار هاني شنودة عن عالمنا صباح الاثنين 21 يوليو 2026، عن عمر ناهز 83 عاما، بعد مسيرة فنية حافلة بمئات الألحان، مثلت تجديدا في الموسيقى وخروجا عن قالبها التقليدي؛ إذ كانت أبرز تلك المحطات تأسيس شنودة لفرقة "المصريين" الشهيرة أواخر السبعينيات، وساهم في تلك الفترة بتشكيل هوية الفنان محمد منير، الذي كان في بداياته الفنية، ولحن له ألبوم "علموني عنيكي"، كما لعب دورا مهما في انطلاقة الفنان عمرو دياب، ولحن 4 أغنيات من ألبومه الأول "يا طريق" مطلع ثمانينيات القرن الماضي، منها أغنية الألبوم الرئيسية، وأغنية "الزمن".

زحمة يا دنيا والرد على لقب الخواجة

لطبيعته التي تميل دائما إلى التجديد، كان تعاون شنودة مع الفنان الشعبي الراحل أحمد عدوية في إحدى أكثر أغانيه شهرة، "زحمة يا دنيا زحمة"، والتي وصفها بأنها لم تكن مجرد أغنية شعبية للتسلية والإمتاع، بقدر ما حملت رسائل اجتماعية عكست واقع الشارع المصري.

ووثق شنودة تلك التفاصيل والذكريات ضمن فصول مذكراته، الصادرة بعنوان "مذكرات هاني شنودة"، التي كتبها الكاتب والناقد مصطفى حمدي، ونشرتها دار ريشة.

وجاء في المذكرات: "أشعلت فرقة (المصريين) ثورة في شكل الأغنية المصرية، وهو تغيير أقلق منام كثيرين ممن نصبوا أنفسهم حراسا على الذوق العام؛ قليلون جدا استسلموا لدوران عجلة الزمن وتابعوا التجربة في صمت أو باركوها، بينما هاجمها كثيرون، ووصفوا هاني شنودة بالخواجة الذي جاء ليفسد الأغنية المصرية ويفرنِجها".

وقال شنودة وقتها إن وصفه بـ"الخواجة" أغضبه، وما زال يرى في هذا الوصف انتقاصا من مصريته وطمسا لهويته، لكنه استثنى الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي استخدم الوصف على سبيل المدح عندما قال له: "هاني شنودة أقرب الخواجات لينا"، في إشارة من شنودة إلى أن عبدالوهاب، باعتباره مجددا وثائرا على مدارس الموسيقى التي سبقته، كان يقصد الإشادة بموهبته لا الانتقاص منها.

ووصف شنودة غضبه آنذاك: "غضبت منهم، لكنني لم أغضب من عبدالوهاب لأنه كان يمدحني، وتحول هذا الغضب إلى رد عملي بالموسيقى.. قالوا عليَ خواجة، فعملتلهم أغنية (زحمة) لأحمد عدوية، التي قلبت حال البلد وقتها".

أزمة المرور

ويكمل شنودة: "بدأت الحكاية عندما استدعاني المنتج عاطف منتصر وقال لي: إن مبيعات عدوية انخفضت في آخر شريطين، فهل عندك مانع في العمل معه؟".

ويواصل شنودة حديثه: "الحقيقة وجدتها فرصة لأقدم شيئا جديدا في مجال الأغنية الشعبية، كان لدي حماس لأن أضع بصمتي في هذه المنطقة وأطبق فيها ما تعلمته.. كان تحديا جديدا ومثيرا".

نبض الشارع وتعبير عن الواقع

ويتابع شنودة: "قال لي عاطف: ادخل المكتب المجاور لمكتبي، ستجد ملفا كبيرا مليئا بالأغاني الشعبية، اختر منه ما يعجبك، قرأت كل الأغاني الموجودة في الملف تقريبا، ولم تخطف عيني سوى أغنية (زحمة يا دنيا) التي كتبها حسن أبو عثمان.. لفتت انتباهي كلماتها، خصوصا الحالة التي عبَر عنها الشاعر بخيانة الزمن له، عندما ذهب قبل الموعد فلم يجد من سيقابله، فخاف أن يذهب مرة أخرى في الموعد فيتعطل في الزحام.. كلمات عبقرية خرجت من نبض الشارع المصري الذي كان وقتها على مشارف الأزمة المرورية التي أصبحت، حتى الآن، سمة من سمات شوارعنا".

ويقرأ هاني شنودة دائما ما وراء السطور؛ فتخطفه الأغنية الاجتماعية التي تعبر عن الناس ومشاعرهم ومشكلاتهم، تلك التي يلتقطها كاتبها من فوق رصيف الحياة، وقد يرى البعض في "زحمة يا دنيا" مجرد أغنية للفرفشة، لكن شنودة رأى فيها رسالة اجتماعية وسياسية أعمق من ذلك.

ويقول شنودة: "المصريون عندهم زمن خاص بيهم، مافيش حد في العالم بيقول: الساعة كذا إلا تلت مثلا، أنا خطفتني عبارة (الساعة إلا تلت) في الأغنية، لأنها معبرة عن هويتنا، نحن لنا هوية خاصة بنا، بحلوها ومرها، لكنها تميزنا عن الآخرين، كما أن حسن أبو عثمان عبَر عن حالة احتلت المجتمع مع بداية هذا العصر عندما كتب: (عايز ألقاه وأقوله.. ما بيوصلش الكلام).. نحن هنا نتحدث عن التلوث السمعي الناتج عن الضوضاء، تقولي (زحمة يا دنيا) أغنية شعبية وبس؟! هقولك: لا طبعا، دي أغنية اجتماعية وعميقة كمان".

إنت فاكرني عبدالحليم حافظ

ومن المفارقات أن المنتج عاطف منتصر اعترض على الأغنية، وقال لي: "استبدلها بأغنية أكثر فرفشة تخاطب مزاج جمهور عدوية"، حتى إنه وبَخ السكرتيرة قائلا: "سيبتي الملف كله في إيد المايسترو، أهو خد الغنوة اللي كلنا مش عايزينها".

ويقول شنودة: "قلت لعاطف وقتها: سأخذ هذه الأغنية، وحتى لو رفضها عدوية ستغنيها فرقة (المصريين)، وبعد أيام اتصلت به وأخبرته أنني لحنت الأغنية، وطلبت منه أن يُسمعها لعدوية، عاد عاطف واتصل بي واتفق على المجيء إلى بيتي هو وعدوية في اليوم التالي، ثم عاود الاتصال واعتذر عن الحضور".

ويكشف شنودة سبب الاعتذار قائلا: "عندما علم عدوية أن الأغنية من ألحاني، قال لعاطف منتصر: إنت فاكرني عبدالحليم حافظ يا عم عاطف؟.. هاني ده عمدة الغربي، إزاي هيلحن لي؟".

ويتابع: "لكن القدر كان مصرا على أن يغني عدوية (زحمة يا دنيا)؛ ففي اليوم التالي قابل عمر بطيشة كلا من عدوية وعاطف منتصر في مقر شركة صوت الحب، التي كانت تقع على بُعد شارعين من منزلي، فدعاهما لزيارتي وتناول الإسبريسو في البيت".

ويضيف: "كان لدي وقتها ماكينة لتحضير الإسبريسو، وربما كنت الوحيد الذي يمتلكها في الوسط الفني، لذلك كانوا يأتون صباحا لمشاركتي شربه، قبل أن ينتشر في مقاهي مصر".

ويقول: "جاء عدوية، وشرب الإسبريسو، واستمع إلى اللحن فأعجبه، لكنه خاف من المغامرة في البداية، وغادر واللحن يرن في أذنه".

اللحن لازق في دماغي يا عم هاني

ويواصل شنودة: "بعد ثلاثة أيام اتصل بي عاطف وقال: في واحد عايز يسلم عليك.. التقط أحدهم السماعة وقال لي: إزيك يا أبو شنو".

ويضيف: "تعجبت من الاسم، فسألته: إنت مين؟ فرد: واحشني يا أبو شنو.. عامل إيه يا شنو؟، استفزني الأمر، فقلت: أنا هقفل السكة، مش فاضي للهزار ده يا عاطف".

ويتابع: "فأجاب: أنا أحمد عدوية يا عم هاني... اللحن بتاعك لازق في دماغي ومش عايز يسيبها، عايزين نسجله بكرة، والعيال بتوعنا هيحفظوه.. دول عيال (نبل)".

البيز جيتار لأول مرة في الأغنية الشعبية

ويستعيد شنودة ذكرياته قائلا: "في اليوم التالي ذهبنا لإجراء بروفة في استوديو 35 بالإذاعة، كنا نعزف مقاطع من الأغنية، وعدوية يغني، بينما تجمهر موظفو الإذاعة في غرفة الكنترول ليتابعوا ما يولد بالداخل، كأنه شيء غريب وعجيب".

ويضيف: "وكان كذلك فعلا، فقد كانت المرة الأولى التي يشارك فيها البيز جيتار والدرامز في عزف أغنية شعبية، استعنت يومها بيحيى خليل على الدرامز، وتحسين يلمظ على البيز جيتار، ومن بعدها أصبحت هاتان الآلتان جزءا أساسيا من الأغنية الشعبية".

ويتابع: "الطريف أننا، أثناء التسجيل، فوجئنا بعدوية يدخل علينا بين الحين والآخر بعازف جديد ويضمه إلى الفرقة، ويقول لي: ده فلان حبيبي جاي يجاملك، والحقيقة أن عدوية، بحسه الشعبي الذكي، كان يجامل أصدقائه ويشركهم في الأغنية، وبعد أن ينتهي كل عازف من دوره، يخرج ليقبض أجره من عاطف منتصر على باب الاستوديو".

حاجة ما حصلتش في تاريخ الأغنية الشعبية

ويقول شنودة: "أنا شفت نجاح (زحمة يا دنيا) وهي بتتسجل، من قبل أن تُطرح في الأسواق، وبعد أن حققت مبيعات خرافية، جاءني عاطف منتصر كعادته وقال لي: كان عندك حق يا هاني.. إنت عملت حاجة ما حصلتش في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية".

ويضيف: "المؤكد أن تأثير (زحمة يا دنيا) كان أكبر من كونه شريط كاسيت حقق أعلى مبيعات في مسيرة عدوية، لقد تحولت الأغنية إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية واستخدمها الناس وسيلة للاعتراض على أحوال المرور التي ساءت في عهد الرئيس السادات، مع الزيادة السكانية والهجرة المتزايدة إلى القاهرة، وغياب الانضباط في الشارع".

مولد وصاحبه غايب.. رسالة احتجاج وغضب

ويتابع شنودة: "كان سائقو التاكسي يرفعون صوت الأغنية في كاسيتات سياراتهم، وهم يمرون أمام عساكر المرور والضباط في الإشارات، ويستفزونهم وهم يغنون: (مولد وصاحبه غايب). الجملة في حد ذاتها كانت أشبه بصفعة على وجه صاحب المولد الغايب، أو المتغيب عن أداء دوره".

رسالة عدوية التي التقطها السادات

ويختتم شنودة روايته: لهذا، وبعد أسبوعين فقط من طرح الشريط في الأسواق، وصلت تقارير إلى الرئيس السادات بما يحدث في الشارع، فأعلن إعادة الانضباط إلى الشارع المصري، وأمر بنزول حملات مرورية في كل شوارع العاصمة لضبط حركة المرور، وإيقاف السائقين المخالفين، كما كثفت وزارة الداخلية الحملات الأمنية لمواجهة السرقة والنشل في المواصلات العامة.. كان السادات، بهذه القرارات، يعلن على الملأ أن "المولد صاحبه حاضر ولم يغب"، وكأنه يرد على صرخة عدوية التي هزت الرأي العام.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك