تُفضِّل الصمت، نعم، فتبقى وسط الصخب المجنون وحدك، تعيش بداخل نفسك، ربما خوفًا من أن يضيع آخر ما تبقّى من ذرة عقل أو تفكير أبعد من هذه اللحظة المُغمَسة بالخوف.
• • •
الصمت هو أحيانًا خوف من أن تتحول الكلمة إلى تهمة تزج بصاحبها فى متاهات لا نهايات لها، أو هو كثيرًا ربما سلاح لردم ما يمكن أن يصبح حفرة عميقة أو شرخًا يصعب ترميمه حتى مع الزمن. فيما قالوا إن الزمن كفيل بتخفيف حجم الحزن أو الفقدان، إلا أن الشرخ فى النفوس أو بين البشر يصعب أحيانًا أن يتلاشى مع الزمن، لأن الكلمة أقسى من السكين، وما أكثر السكاكين فى مدننا!!!
• • •
عادت لك نصيحة التعقل بالصمت حين صار بعض المعارف أو حتى الأصدقاء يلحّون ويصرّون عليك بالكلام، ويكررون ما حفظوه من حكمة قديمة: «الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية». حينها تزداد التزامًا بصمتك، لأن هناك سوء فهم ربما فى الفرق بين الرأى الذى تكوَّن عبر حقائق وتفكير وتدبير، والرأى الذى يجوب شبكات التواصل ويردده البعض حتى يحفظه الكثيرون، ربما لخوفهم، والحرب لا أفق لنهاياتها، أو ربما لأن الحقائق تاهت بين أمواج متلاطمة فى بحور واسعة من الغموض، أو قلة المعرفة، أو نقصان فى الشفافية.
• • •
بعد السابع من أكتوبر، قال بعضنا إن الخلاف فى الرأى لا يفسد الود، ربما قبل هذا التاريخ، أو هو منذ نشأة ذاك الكيان، ومنذ أن نشر المستعمر الأبيض أمراضه وانتشر بيننا حتى صدقناه، وبعضنا ركع له وعبده!!! الخلاف فى الرأى يفسد كل الود إذا ما كان خلافًا بين العدل والظلم، بين حرب من يُبيد ليستعمر الأرض، ومن يقف بجلده وعظامه الهشة ليفديها لأنها هى الحق، وهنا لا يبدو أنه مجرد رأى، والاختلاف حوله لا يفسد الود؟؟؟!!!
• • •
فى زمن الأزمات، حين يعلو صوت القصف وتخترق صفارات الإنذار سكون المدن، لا يضيع الأمن وحده، بل يضيع معه أحيانًا وضوح المفاهيم، وتتوه الحقائق، وفجأة يصبح من يدافع عن الحق مجرمًا أو إرهابيًا، ومن يقف مع المحتل أو المستعمر بأشكاله المختلفة «وطنيًا» أو حتى يُسمّى «عاقلًا».
• • •
بعضهم يقول لك: هذا رأيي، وعندما يحتدم النقاش أو يحتد بسؤال بسيط عن المعلومات التى بُنى عليها الرأى، يبرز حجم قلة المعرفة حتى لا نقول الجهل، رغم أن صديقنا جوجل متوفر وسريع فى تأكيد المعلومة أو نفيها. يكرر بعضهم معلومة غير دقيقة، فتأتى له بمراجع توثق أن ما بنى رأيه عليه ليس صحيحًا، وهنا يبدو الفرق الشاسع بين الرأى المبنى على الحقائق والمعرفة، والآخر الذى ينبع من الغرائز والقابل لتصديق أى ما يُقال عن الآخر الذى هو فى رأيه لا يشبهه، ولذلك فهو عدوه!!!
• • •
أخطر ما فى عبارة الخلاف فى الرأى هو ذاك الخلط الذى قد يخدم - ربما عن قصد أو دون قصد – روايات القوى التى تملك القدرة على تشكيل الوعى أو تسيطر على الفضاءات كلها. حين تُختزل الوقائع والحقائق الموثقة فى مجرد "آراء"، يصبح من السهل التلاعب بالوعى العام، وتضيع البوصلة بين ما هو واقع وحقيقى على الأرض، كما تشير مصادرهم هم، أى المالكين للسلاح والوقود والاقتصاد والسياسة والإعلام، وهى كل الأدوات المحركة والمرتبطة ببعضها.
• • •
خطوط التماس ليست، فى وقت الحروب، تبدو واضحة فى فصل المتنازعين، بل هى ترسم حدودًا قاسية داخل النفوس، ويصبح الانتماء الضيق ملاذًا، ويُنظر للحوار والانفتاح وصوت العقل مجرد سذاجة أو ربما خيانة!!! إلا أن أخطر ما فى خطوط التماس النفسية هو أنها تفقد قدرة البعض على التعاطف، بل تحرّض على التجييش ضد الآخر، وتتراجع القيم، ويتحول الفرد إلى شخص شديد القسوة، ليقول بكثير من السهولة: «فليموتوا كلهم، أو ليرحلوا، أو ليذهبوا إلى الجحيم»، ولمن؟؟ لجار كان، حتى قبل أيام وجيزة، يتقاسم معه الخبز والعيش وبعض الفرح.
• • •
مع ذلك، علينا أن ننبش بين الغيوم التى عكّرت سماواتنا عن ضوء، ربما هو فى البعض الذى رفض التمترس خلف خط أو موقف أو عبارة أو عائلة أو قبيلة، أو طائفة، أو دين، أو منطقة، أو أو أو، وبقى ممسكًا ببعض قيم وكثير من الإنسانية والتوق للعدالة، التى هى ما تربّى عليه الأديان، وما يُشوَّه الآن باسم الأديان أيضًا. ألا يقول بعضهم إننا ننصر قول الله، أو إن الله معنا، أو إننا نتبع هذا الكتاب المقدس أو ذاك؟؟!! ألم يجلس الرجل البرتقالى فى مكتبه المستدير محاطًا بـ«مريديه»، ألا يُبيد ذاك القابع فى ملجئه فى عاصمة كيانه باسم الدين؟؟
كاتبة بحرينية