التفاهمات الملغمة فى اليوم التالى! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 21 يونيو 2026 7:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

التفاهمات الملغمة فى اليوم التالى!

نشر فى : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م

داهمت التحديات والشكوك، بأسرع من أى توقع، مذكرةَ التفاهم الأمريكية الإيرانية، التى أوقفت بمقتضاها أحد أخطر الحروب فى الشرق الأوسط، كأن حقول ألغام انفجرت مرة واحدة.

لم يكن مفاجئًا على أى نحو، ولا بأى قدر، أن تعمل إسرائيل على تخريب ما جرى الاتفاق عليه ومنع إيران من إحراز أية مكاسب استراتيجية واقتصادية جراء صمودها وتضحياتها أمام العدوان عليها.

أرادت أن ترسم مبكرًا، وفق رؤيتها الأمنية، قواعد الاشتباك الجديدة، أو أن تحتفظ لنفسها بما تسميه الحق فى حرية الحركة داخل الأراضى اللبنانية، تقتيلًا وتهديمًا واحتلالًا إضافيًا بذريعة حماية أمنها وتفكيك المقاومة المسلحة.

كسرت، بغارات مكثفة، أى التزام بوقف إطلاق النار، وبدت مستعدة أن تمضى فى التوسع داخل الأراضى اللبنانية دون أدنى اعتبار لما وقعت عليه واشنطن للتو باسم «حلفائها»، الذى يقضى، فى ثلاثة مواضع، بوقف الحرب على لبنان.

لوهلة، بدا الصدام بين الحليفين، الأمريكى والإسرائيلي، على وشك أن يفلت عن نطاق السيطرة.

جرت حملات إسرائيلية منظمة ضد الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» على لسان أركان فى الحكومة، وصفت المذكرة الموقعة بأنها كارثية واستسلام أمام إيران.

كان ذلك داعيًا إلى ردات فعل غاضبة من البيت الأبيض.

قال «ترامب» إنه: «لولا وجودى لما قدرت إسرائيل على البقاء».

هكذا بالحرف.

أخذ نائبه «جى دى فانس» يذكّر بالدور الذى لعبته الولايات المتحدة فى دعم إسرائيل عسكريًا واستراتيجيًا فى كافة الحروب التى تخوضها الآن.

جرى تهديد «فانس» من قيادات نافذة فى الحزب الجمهورى بأنه قد يخسر، بعد عامين، فرصه بالترشح للرئاسة الأمريكية، لكن الحقائق الجديدة قالت كلمتها.

لم يعد لإسرائيل الوزن السياسى الذى تمتعت به قبل حربى الإبادة والتجويع فى غزة.

هكذا اضطرت إلى شىء من التراجع، لكنها سوف تعود تاليًا إلى ما اعتادت عليه طلبًا للتوسع والهيمنة على مقادير المنطقة، خاصة فى لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة.

لم يصدر ذلك التراجع الاضطرارى عن فراغ.

إنها إيران وإدارتها للتفاوض.

طرحت ورقة إعادة إغلاق مضيق هرمز إذا ما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية فى الجنوب اللبنانى، وقد كسبت تلك الجولة.

معنى إغلاق المضيق مجددًا الإضرار الفادح بالاقتصاد العالمى وفرصه فى التعافى والانتعاش.

كانت تلك معادلة ردع جديدة.

ضمان فتح المضيق مقابل وقف الحرب على لبنان.

كما لوّحت بعدم الذهاب إلى جنيف لبدء مفاوضات الستين يومًا للتوصل إلى اتفاق بشأن الملفات الأكثر حساسية وخطورة، ضاغطةً على أعصاب الإدارة الأمريكية، التى تتعرض لهجمات سياسية وإعلامية ضارية من اتجاهات متناقضة: اللوبى الصهيونى، والجناح اليمينى الأكثر تشددًا فى الحزب الجمهورى، فضلًا عن الحزب الديمقراطى والصحافة الأمريكية.

كان ذلك تحديًا مبكرًا لمستقبل التفاوض الأمريكى الإيرانى.

«إيران مُنيت بهزيمة عسكرية كاملة»، حسب تأكيد لا يكف «ترامب» عن ترديده بمناسبة أو بغير مناسبة، دون أن يكون مُصدَّقًا.

نصوص المذكرة عامة وفضفاضة وقابلة للتأويل حسب موازين القوى.

الأرجح أن يحاول المفاوض الأمريكى الضغط بكل الطرق المتاحة، للحصول على تنازلات إيرانية تضفى شيئًا من الصدقية على ادعاءاته!

أهم إنجازات الحرب بالنسبة لإدارة «ترامب» إعادة فتح مضيق هرمز، الذى لم يكن مغلقًا قبلها!

لماذا كانت الحرب إذن؟

الأسوأ أن المقارنات التى أُجريت بين المذكرة والاتفاق الذى أقره الرئيس الأسبق «باراك أوباما» عام (2015)، وألغاه «ترامب» عام (2018)، لا تدع مجالًا لأى ادعاء بأنه وقّع اتفاقًا أفضل.

هذه هى الحقيقة التى تفرض نفسها على المساجلات الأمريكية المحتدمة قبيل انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس نوفمبر المقبل.

وفق «ترامب»، فإنه حصل على تعهد إيرانى بعدم إنتاج السلاح النووى.

لم يكن ذلك التعهد جديدًا حتى يمكن اعتباره تنازلًا إيرانيًا.

على مدى سنوات طويلة، أكدت طهران أنها لا تسعى لإنتاج سلاح نووى، بل إن المرشد الراحل «على خامنئى» حرّم، فى فتوى شرعية، أى توجه لإنتاج مثل هذه الأسلحة.

عقدة «أوباما» جانب فى الصورة، لا الصورة كلها!

إذا كانت هذه هى المحصلة، فلماذا كانت الحرب؟

هنا تبرز عقدة أخرى يلخصها سؤال حرج بدأ يطرح نفسه فى واشنطن:

من يصنع السياسة الخارجية الأمريكية فى الشرق الأوسط: البيت الأبيض أم الحكومة الإسرائيلية؟ «ترامب» أم «بنيامين نتنياهو»؟

بصياغة أخرى، هل باتت إسرائيل عبئًا على الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية؟

السؤال بذاته يعكس تعقيدات الصورة وما قد يحدث غدًا فى المفاوضات الوشيكة.

«أمريكا تخشى الحرب وإيران تخشى الاتفاق».

كان ذلك توصيفًا لافتًا لوكالة تسنيم الإيرانية قبيل التوصل إلى مذكرة التفاهم.

الشق الأول يفسره المعارضة الأمريكية الواسعة للحرب والانخراط فيها دون مصلحة واحدة، والتراجع الفادح فى شعبية «ترامب»، كما لم يحدث لرئيس أمريكى سابق.

والشق الثانى يعود إلى الخشية الإيرانية من خسارة النتائج السياسية لتضحياتها الهائلة فى الحرب على موائد التفاوض، أو الاضطرار إلى تقديم تنازلات جوهرية فى الملف النووى بالذات.

هذا يفسر إلى حد كبير الحذر من التفاوض وضغوطه المحتملة.

المكاسب الاقتصادية تطرح نفسها -هنا- كورقة تفاوضية.

من ناحية، البلد منهك تمامًا، ومصلحته أن يعمل على تخفيض الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية، التى استبقت الحرب مباشرة، وكادت تهدد النظام فى وجوده، لولا الحرب التى وحدته واستنفرت إرثه الوطنى والحضارى فى مواجهة العدوان عليه.

غير أنه، من ناحية أخرى، يدرك الإيرانيون أن الإدارة الأمريكية سوف تعمل على مقايضة كل دولار يُضخ فى خزانة البلد بقائمة مطالب تنال من حرية قراره ودوره الإقليمى.

لا شىء من أمواله المجمدة سوف يستعيده مجانًا.

إنها حرب أخرى على موائد التفاوض هذه المرة.