تهدف الكتابة المعرفية إلى نقل المعرفة بجميع فروعها، لا سيما المعرفة العلمية، بشكل واضح ودقيق إلى الناس، معتمدةً على التحليل المنطقى والبرهان، وتنظيم الأفكار بطريقة تساعد القارئ على الفهم وتكوين صورة ذهنية متماسكة، وهو نوع من الكتابة يركز على المعنى والمضمون الفكرى أكثر من تركيزه على المشاعر أو جماليات اللغة.
• • •
يعتمد هذا النوع من الكتابة بشكل كبير على البحث فى مواقع إلكترونية متعددة، بالإضافة إلى الكتب والمقالات. ويُسهّل الذكاء الاصطناعى عملية البحث، ولكن يجب أن تكون لديك أسئلة محددة ليجيب عنها الذكاء الاصطناعى بدقة.
بعد جمع المعلومات، تُدرس بعمق لفهم محتواها. ومن المهم توضيح أن الكتابة المعرفية ليست مجرد نسخ ولصق، كما يعتقد البعض، بل هى رحلة تبدأ بتحديد أسئلة تغطى موضوع البحث من جميع جوانبه، ثم البحث فى المنصات الإلكترونية، ثم طرح المعلومات بطريقة منظمة وبأسلوب مناسب للجميع.
تتطلب الكتابة المعرفية جملًا قصيرة بلغة عربية بسيطة وواضحة، مع تجنب الكلمات والعبارات غير الشائعة، والمصطلحات الغامضة أو متعددة المعانى. وينبغى إدراك أن الكتابة المعرفية الجيدة تركز على الوضوح اللغوى، وهو أهم فى هذا المجال من التركيز على الجمال اللغوى.
ينبغى أيضًا تجنب الجمل التى تبدأ بتفاصيل تنفى معرفة أو فهمًا معينًا، ثم تعرضه بصورة إيجابية؛ ففى رأيى، هذا مضيعة لوقت القارئ. على سبيل المثال، قولنا: «لا تعتمد الكتابة المعرفية على الجمل الطويلة والمعقدة، بل تتطلب جملًا قصيرة بأسلوب واضح وبسيط»، لا يُضيف الجزء الأول من الجملة أى معلومات مهمة مقارنة بالجملة الإيجابية التى تصف الكتابة المعلوماتية الجيدة.
كذلك، لا داعى لاستخدام أكثر من تعبير لوصف الشىء نفسه؛ بل من الأفضل الاكتفاء بوصف واحد يُجسّد أهم سمات ما تصفه. وهذا الأسلوب شائع فى النصوص الأدبية العربية، حيث يُبرز الكاتب براعته اللغوية، ولعل هذا أمرٌ جوهرى فى الأدب العربى، وبالتأكيد فى الشعر، الذى يعتمد أساسًا على جمال اللغة للتعبير عن مشاعر الكاتب وأحاسيسه.
• • •
يمثل كل من الكتابة المعرفية والكتابة الأدبية نمطين مختلفين تمامًا من أنماط التعبير، ولكل منهما غايته وأدواته وبنيته الخاصة. وتهدف الكتابة المعرفية إلى نقل المعرفة من خلال الشرح وبناء المفاهيم باستخدام لغة مباشرة ودقيقة، خالية من التزييف، ويتميز بناء النص بمقدمة، وعرض منطقى للأفكار، وخاتمة تلخص النقاط الرئيسية والاستنتاجات.
فى المقابل، تهدف الكتابة الأدبية إلى إثارة المشاعر من خلال الخيال، واستخدام لغة مجازية ووصفية تعتمد على الإيقاع والرمزية والاستعارة، وذلك عبر بنية حرة تُقدّم صورًا فنية وتوترًا عاطفيًا، مع نهاية مفتوحة أو رمزية. فبينما تخاطب الكتابة المعرفية عقل القارئ، يخاطب الأدب مشاعر القارئ وأحاسيسه.
أمثلة توضح الفرق بين أسلوب الكتابة المعرفية والكتابة الأدبية:
عند الكتابة عن المطر، قد يقول الأسلوب المعرفى: «المطر عملية طبيعية تنتج عن تكثف بخار الماء فى الطبقات العليا من الغلاف الجوى، ثم تحوله إلى قطرات تسقط عندما يتجاوز وزنها حدًا معينًا لا يستطيع الهواء حمله. وهذه العملية عنصر أساسى فى دورة الماء التى تضمن توازن النظم البيئية».
أما الكتابة الأدبية عن المطر، فقد تقول: «هطل المطر وكأنه رسالة دافئة من السماء، أيقظت نبضًا خفيًا فى الأرض، وغسلت عن النفس غبار الأيام المتراكم عليها».
عند الكتابة عن الزمن، قد تقول الكتابة المعرفية: «الزمن مفهوم فيزيائى يُستخدم لقياس التغيرات المتتابعة فى الظواهر الطبيعية. وهو عنصر أساسى فى المعادلات التى تصف الحركة، ويُعد إطارًا مرجعيًا لفهم التطور الكونى». أما الكتابة الأدبية، فقد تقول: «الزمن نهر صامت، يجرى دون أن يلتفت إلى أحد، يحملنا معه فى رحلة لا نعرف بدايتها ولا نهايتها».
مثال على الكتابة المعرفية لعرض نظرية الانفجار العظيم لستيفن هوكينج:
تفترض هذه النظرية أن الكون بدأ قبل حوالى 13.8 مليار سنة من حالة شديدة الكثافة والحرارة، ثم بدأ يتمدد، مما أدى إلى ظهور المكان والزمان معًا لأول مرة، واستمر فى التوسع بعد ذلك. ولم يكن هناك زمن قبل الانفجار العظيم، لذا فإن السؤال: «ماذا كان موجودًا قبل الانفجار العظيم؟» ربما يكون بلا معنى، تمامًا كما هو الحال مع السؤال: «ما هو شمال القطب الشمالى؟». ويجادل هوكينج، فى كتابه «التصميم العظيم»، بأن قوانين الفيزياء تسمح للكون بالنشوء تلقائيًا بوجود المادة والمادة المضادة، والقوة والقوة المضادة، بكميات متساوية، مما ينتج عنه صافى طاقة يساوى صفرًا. ولأن كمية المادة كانت أكبر بقليل من كمية المادة المضادة، فقد ظهر العالم المادى. وتشمل الأدلة التى تدعم نظرية الانفجار العظيم توسع الكون، واكتشاف إشعاع الخلفية الكونية الميكروى، وهو بقايا الحرارة الأولية للكون.
يجب أن تلتزم الكتابة المعرفية بأخلاقيات الكتابة الأكاديمية، التى توضح مصادر المعلومات المقدمة، وأن هدفها الأساسى هو مشاركة المعرفة، وليس تحقيق أى مكاسب شخصية للكاتب، أو البحث عن الشهرة، أو ادعاء معرفة لا يمتلكها.
• • •
علاوة على ذلك، تتطلب الكتابة المعرفية فهمًا لكيفية اكتساب البشر للمعرفة. وقد أوضح بنجامين بلوم (عالم النفس التربوى الأمريكي) أن البنية المعرفية البشرية تقوم على مبدأ التراكم؛ إذ يتطلب اكتساب أى معرفة جديدة التدرج عبر مستويات معرفية أدنى للوصول إلى مستويات أعلى. لذا، ينبغى أن تُصمم الكتابة المعرفية بما يتناسب مع قدرات القارئ، وأن تساعده على التقدم عبر الهرم المعرفى وربط المعرفة بالحياة الواقعية.
فيما يتعلق بدور اللغة العربية فى الكتابة المعرفية، فإن التحولات الكبرى التى يشهدها العالم المعاصر، وهيمنة اللغات العالمية، خاصة الإنجليزية، فى مجالات التكنولوجيا والبحث العلمى والإعلام الرقمى، قد خلقت تحديات متزايدة للغة العربية، وهيمنة المصطلحات الأجنبية. لذلك، يتطلب الحفاظ على اللغة العربية تطويرها لتستوعب التطورات العلمية والتكنولوجية، وإعادة التفكير فى مكانة اللغة العربية داخل الفضاء الرقمى العالمى.
أوضح الفيلسوف الألمانى يورجن هابرماس أن التواصل المعرفى هو فعل لغوى يهدف فى المقام الأول إلى نقل المعلومات، وليس إلى تحقيق أهداف فردية، أو لغرض السيطرة أو الهيمنة.
• • •
علاوة على ذلك، فإن الكتابة من أجل البناء الثقافى للمجتمع تحتاج إلى بوابات غير متحيزة لا تمنع حرية الفكر والتعبير، وتسمح بمرور ما يستحق أن يبقى فى الذاكرة الثقافية للمجتمع، وتحميه من الزيف المعرفى.
يتطلب نشر الكتابة المعرفية دور نشر لا تخضع لقوى السوق، حيث تطغى دوافع الربح على معايير الجودة، وحيث يُملى الرأى العام خيارات النشر. وعليه، يجب على المؤسسات الوطنية، الممولة من المال العام، أن تعتبر نشر الكتابة المعرفية مسئولية وطنية تُسهم فى تشكيل ثقافة المجتمع وتنويره الفكرى.
فى الختام، الكتابة المعرفية هى رحلة يتعلم فيها الكاتب.
أستاذ الأشعة التشخيصية سابقا بجامعة شفيلد- إنجلترا