لم يعد ممكنا النظر إلى الصين كقوة عظمى محتملة.
إنها الآن فعلا قوة عظمى بقوة التراكم فى المال والسلاح والتقنيات الحديثة.
الأهمية الحقيقية للقمة الأمريكية الصينية فى بيجين أنها دشنت اعترافا أمريكيا لافتا بالثنائية القطبية الجديدة.
الحقائق وحدها تتكلم.
وصفت القمة بأنها تاريخية، أو استثنائية، رغم أنه لم يصدر عنها بيان ختامى، ولا استولت على مباحثاتها أزمتا تايوان وإيران كما كان مرجحا.
الأزمة الأولى مزمنة، وتعتبرها الصين وجودية، تدخل فى صميم أمنها القومى.
لا تتراجع عن طلب ضمها للوطن الأم تحت شعار «صين واحدة»، لكنها تعتمد سياسة النفس الطويل لكسب قضيتها.
الأزمة الثانية أزمة ضاغطة، بتداعياتها الوخيمة على سوق النفط، وصورة الولايات المتحدة، التى تدهورت بأثر الإخفاق الفادح فى حسم نتائجها العسكرية والسياسية.
إنها مسألة بالغة الحساسية أمريكيا، يُخشى أن تؤثر بالسلب على فرص الحزب الجمهورى فى الانتخابات النصفية المقبلة لمجلسى الكونجرس.
وبقدر أكبر، فإن عدم القدرة على حسمها يهز صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى، ويضرب حسابات المصالح والنفوذ فى معادلات الشرق الأوسط.
لا إسرائيل قوة عظمى إقليمية، ولا مشروع الشرق الأوسط الجديد يمكن تمريره.
إنها هزيمة استراتيجية بلا شك، أو تشكيك.
فى مقايضات الغرف المغلقة، طلب الصينيون عدم مد تايوان بالأسلحة.
بدت الاستجابة الأمريكية حاضرة ومباشرة، بتحذير تايوان من إعلان أى استقلال.
لا يوجد أمام تايوان بديل آخر يدعمها تسليحيا واستراتيجيا.
كان ذلك مكسبا استراتيجيا للصينيين، مقابل بعض الصور الدعائية للرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، وبعض الاستجابة لطلباته الاقتصادية.
بالمقابل، طلب الأمريكيون من الصينيين التوقف عن دعم إيران تسليحيا، لكنهم لم يقدموا مثل هذا التعهد، مكتفين بنفى إمداد طهران بأسلحة وتقنيات متقدمة، وهو ما يصعب تصديقه بالنظر إلى علاقاتهم الوثيقة مع طهران على جميع الصعد.
بصورة، أو أخرى، ركزت القمة على إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتردد على لسان الرئيس الصينى «شى جين بينج» أن التعاون لصالحهما معا، والصراع يضرهما معا، فى إشارة لا تخفى إلى حرب الرسوم الجمركية، التى أعلنها «ترامب»، وتجرع نتائجها الكارثية على اقتصاد بلاده.
الاقتصادى ساد المشهد، والسياسى تراجع.
تكفل «ترامب» بالتصريح عما جرى فى القمة، مضيفا عليها، كعادته، صفات الامتياز والروعة وغير المسبوقة!
نسب إلى نظيره الصينى أنه عرض مساعدته فى فتح مضيق هرمز، قبل أن يعود لينفى حاجته إلى أى مساعدة!
ونسب إليه أنه يرفض، مثله تماما، أن تمتلك إيران سلاحا نوويا.
كيف وصل إلى هذا الاستنتاج، وما حدوده؟
الإيرانيون يعلنون دوما أنهم ليسوا بوارد إنتاج أية أسلحة نووية.
لا جديد هنا.. لكن هل عرضت بيجين أن تساعد فى الوصول إلى اليورانيوم عالى التخصيب من باطن الجبال الإيرانية الحصينة؟
ذكر «ترامب» فى كلامه المرسل أن دولتين فقط فى العالم لديهما القدرة على مثل هذا الوصول: أمريكا والصين.
هل الصين قدمت عرضا بهذا الصدد، أم أنها أمنياته أن تتولى دولة أخرى هذه المهمة شبه المستحيلة؟
كما نسب إليه رفض عسكرة مضيق هرمز، وضرورة أن يظل مفتوحا أمام حرية الملاحة الدولية ومرور شاحنات النفط، وهو ما لا تمانع فيه طهران، شرط أن يتم تحت إشراف قواتها المسلحة.
فى طريق عودته إلى واشنطن، أطلق تصريحا لافتا: «لا مانع لدى من أن تعلق إيران برنامجها النووى لمدة 20 عاما، شرط أن يكون ذلك التزاما حقيقيا».
كعادته، فإنه يتحدث فى موضوعات جرى التطرق إليها سابقا، كأنه اكتشف مخرجا جديدا.
فى مباحثات إسلام آباد، اقترح الوفد الأمريكى تعليق البرنامج النووى الإيرانى لخمسة عشر عاما، لا عشرين، واقترح الوفد الإيرانى، بالمقابل، أن تقتصر فترة التعليق على خمس سنوات!
لا ينم الاقتراح الترامبى عن جدية تفاوضية للخروج من المأزق المستحكم.
ألمح إلى تأهبه للقيام بـ«عملية تنظيف خفيفة» لما بقى من قدرات عسكرية إيرانية.
كانت تلك صياغة جديدة يسوغ بها تصريحاته السابقة من أنه حقق نصرا كاسحا على إيران، وقوض كل قدراتها العسكرية بحريا وجويا وصاروخيا باليستيا!
إنها فوضى التصريحات والأكاذيب، التى أفضت إلى تقويض فكرة التفاوض نفسها.
هكذا تبدت رسالتان مثيرتان، إحداهما منسوبة إلى نائب الرئيس الأمريكى «جى دى فانس»، من أن الاتصالات مع إيران لم تتوقف، وثانيتهما منسوبة إلى وزير الخارجية الإيرانى «عباس عراقجى»، تقول إنه كان هناك تفاهم مشترك يقضى بتعليق التفاوض على المشروع النووى لمرحلة مقبلة، نظرا لتعقيداته الكثيرة.
أثناء مفاوضات القوتين العظميين فى بيجين، عبرت مضيق هرمز ناقلات نفط إيرانية وصينية.
كانت تلك إشارة تومئ إلى تفاهمات وأوزان.
ثم كانت الإجراءات الأمنية الأمريكية المشددة على استخدام الهواتف المحمولة أثناء الزيارة اعترافا ضمنيا بالتفوق الصينى فى الاختراق الاستخباراتى.
«ترامب» نفسه قال حرفيا: «إننا أيضا نتجسس عليهم»!!
لعقود طويلة ومتصلة، حاولت الصين، بقدر ما تستطيع، أن تنفى أنها قوة عظمى، رغم تراكم المال والسلاح الذى تحوزه.
«لسنا قوة عظمى.. نحن دولة نامية من العالم الثالث، ما زلنا تلاميذ على مقاعد الدرس والتعلم من تجارب الدول الأخرى».
بتلك العبارة القاطعة، احتج أساتذة صينيون فى كلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين على وصف بلادهم بأنها «قوة عظمى» أثناء حوار مسهب شاركت فيه خريف (2017).
لم يكن ذلك تواضعا بقدر ما كان التزاما بسياسة طويلة المدى.
المبدأ الصينى الحاكم فى إدارة السياسة العامة يمكن تلخيصه على النحو التالى: أكبر قدر من المصالح، وأقل قدر من المنازعات.
لم تكن الصين فى عجلة من أمرها للعب أى أدوار عظمى، كأنها تجلس بصبر على حافة النهر فى انتظار جثة عدوها طافية، على ما تعلمت من حكيمها «كونفوشيوس»، لكنها الآن تجد نفسها، بقوة الحقائق، طرفا فى ثنائية قطبية، أو إحدى الدولتين العظميين فى نظام دولى متهالك.