ثنائية التفاوض والحرب! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأحد 10 مايو 2026 8:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ثنائية التفاوض والحرب!

نشر فى : الأحد 10 مايو 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأحد 10 مايو 2026 - 6:55 م

بذرائع متناقضة، حمّل كل طرف الآخر مسئولية خرق الهدنة الهشة على الجبهة الإيرانية.

لم تكن الاشتباكات المتكررة عشوائية بقدر ما كانت اختبارًا بالفعل ورد الفعل لأوضاع القوة القلقة حول مضيق هرمز.

الطرفان الأمريكى والإيرانى لا يرغبان فى خوض جولة جديدة، واسعة ومدمرة، من الحرب.

هذه حقيقة سياسية وعسكرية تضع قيودًا غليظة على احتمالات انفجار كتل النيران من جديد.

كلاهما محكوم بحسابات واعتبارات تردع الفكرة نفسها.

الإيرانيون منهكون اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا، لكنهم غير مستعدين لخسارة أية أوراق تفاوضية يحوزونها مجانًا، ولا توجد لديهم أدنى ثقة فى أية وعود يقطعها على نفسه الطرف الآخر.

البيت الأبيض، بالمقابل، واقع تحت ضغط الرأى العام، الذى يناهض الحرب والتورط فى مستنقعها بأغلبية كبيرة تنذر بخسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس نوفمبر المقبل.

هذه سوف تكون هزيمة سياسية موجعة وغير محتملة للرئيس الأمريكى «دونالد ترامب».

«لن نمنح إيران فرصة الحصول على السلاح النووى، الذى لن تتردد فى استخدامه ضد إسرائيل والدول الأوروبية.. وأمريكا أيضًا».

العبارة بنصها، المنسوبة إلى «ترامب»، تكشف مدى التراجع الفادح فى أهداف الحرب، من إطاحة النظام الإيرانى وإنهاء برنامجيه النووى والصاروخى، ووقف دعم وتمويل ما يسمى أذرعها فى المنطقة، خاصة حزب الله فى لبنان، إلى مسألتين محددتين: مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم.

إنها هزيمة استراتيجية محققة، يطلب «ترامب» بالحصار والتلويح، من وقت لآخر، بإعادة إيران إلى العصر الحجرى، أن يخفف وطأتها بإنجاز واضح فى المسألة النووية، كأن تسلمه طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب، أو تقبل بنقله إلى دولة أخرى، روسيا مثلًا.

بتعبير فيه نفاد صبر يزيد من وطأته قرب زيارته إلى الصين: «إنهم يريدون التفاوض أكثر منى، ومن الأفضل أن يوقعوا الاتفاق بسرعة»، لكنه يبدو غير واثق، فـ«الاتفاق قد يحدث أو لا يحدث».

توقيت الزيارة ضاغط إضافى على أعصابه، يريد أن يزور بكين وهو فى مركز قوة، لا مترنحًا يطلب المساندة فى الخروج بأسرع وقت من ورطته الإيرانية.

هو يدرك نصف الحقيقة: «الإيرانيون وصلوا إلى نهاية الطريق»، لكنه لا يريد أن يعترف أنه وصل إليها قبلهم!

فرضية نهاية الطريق دعته إلى سيناريو أخير يفرض الحصار البحرى لخنق الاقتصاد الإيرانى المنهك، لكن الوقت يمضى دون أن يتبدى أمل قريب.

وفق ما هو منشور فى الصحافة الأمريكية، منسوبًا للاستخبارات المركزية، فإن بوسع الإيرانيين تحمل الضغوط الاقتصادية وتبعات الحصار البحرى على قدرة تخزين نفطها، لأربعة شهور مقبلة.

هذه الفترة أطول مما بوسع أعصاب «ترامب» أن تحتمله.

التخطيط الأمريكى والإسرائيلى المشترك لإطاحة النظام، بداعى تراكم أسباب الغضب الاجتماعى، فشل تمامًا بالحرب.

ما حدث هو العكس تمامًا.

استدعت الحرب ما هو راسخ ومتجذر فى بلد حضارى عريق للوقوف معًا فى خندق واحد، دفاعًا عن البلد ومقدراته وثرواته.

الأزمة الداخلية تأجلت بالحرب، لكنها ما زالت ماثلة بصورة، أو أخرى، وتضع قيودًا لا يمكن إنكارها على ثنائية التفاوض والحرب.

إنها حرب على الوقت، ومن يصرخ أولًا؟

أحد أوجه المأزق الأمريكى الحالى، أن الرئيس مضطرب وإدارته تفتقر إلى كفاءة إدارة قوة عظمى.

كان فشلها ذريعًا فى إنجاز نتائج على الأرض يقول «ترامب» بمقتضاها إنه نجح فيما فشل فيه الرئيسان السابقان «باراك أوباما» و«جو بايدن».

إثر كل مرة تُخرق فيها الهدنة الهشة أمريكيًا، يؤكد «ترامب»: «وقف إطلاق النار ما يزال ساريًا.. والمفاوضات لم تتوقف».

«كل شىء محتمل فى أية لحظة، التوصل إلى اتفاق، أو العودة إلى الحرب».

يبدو متعجلًا تمامًا، تكاد أعصابه أن تفلت بمضى الوقت دون التوصل إلى اتفاق يلبى اشتراطاته، أو يحفظ ماء وجهه.

إنها حرب استنزاف للوقت والأعصاب معًا.

هكذا يدرك الإيرانيون أصول ثنائية التفاوض والحرب.

«ندرس حاليًا المقترح الأمريكى، الذى وصلنا عبر الوسيط الباكستانى».

دراسة على مهل، واستعداد فى نفس الوقت لكافة الاحتمالات.

«كلما بدا الحل السياسى ممكنًا، يتبدى عمل عسكرى أمريكى متهور».

«لا نهتم بالمهل الزمنية والتهديدات» التى يطلقها «ترامب» مرة بعد أخرى.

كان ذلك تلخيصًا إيرانيًا لفجوة عدم الثقة فى الأداء الأمريكى، وفق تصريح وزير الخارجية الإيرانى «عباس عراقجى».

«الإيرانيون يتعرضون دومًا للضغوط، لكنها لا تنجح معهم».

كان ذلك تلخيصًا آخر لسياسة التحدى إلى آخر الشوط.

نحن أمام إرادتين واستراتيجيتين متناقضتين تمامًا.

فشلت جولات التفاوض واحدة إثر أخرى.

كان ذلك الفشل محتومًا بقدر عمق التناقضات.

مع فشل العمل العسكرى الأمريكى الإسرائيلى ضد إيران، بدأ التفكير فى الخنق الاقتصادى حد الاستسلام، لكنها انتقلت إلى ما أسمته «الجهاد الاقتصادى».

الأولوية: إنهاء الحرب بضمانات دولية على كل الجبهات.

الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية تتبنى رفع الحصار البحرى مقابل إعادة فتح مضيق هرمز كاملًا، وتأجيل الملفات الملغمة كالملف النووى إلى مرحلة لاحقة، تُرفع فيها العقوبات المفروضة عليها وتُستعاد المليارات المجمدة فى البنوك الغربية.

إنها تطلب ــ بالضبط ــ أن تعترف الولايات المتحدة بأنها تلقت هزيمة استراتيجية كاملة فى الحرب؛ لا النظام سقط، ولا المشروعان النووى والصاروخى الباليستى تقوضا، ولا انحسر نفوذها لدى شركائها الإقليميين.

بالمقابل، تطلب الاستراتيجية التفاوضية الأمريكية إجبار الإيرانيين، بإحكام الحصار والتلويح بحرب مدمرة، على تقديم تنازلات جوهرية عجزوا عن الحصول عليها بالسلاح.

إذا ما وافقت إيران على مثل هذه التنازلات، خاصة مشروعها النووى، فإن شرعية نظامها تهتز بعمق، ويكون السؤال مشروعًا حينها: لماذا بُذلت التضحيات الجسيمة من حصار وعقوبات وحروب؟!

لهذا السبب بالذات، شرعية النظام ومستقبله، لن يتراجع الإيرانيون، ربما يناورون، أو يتقبلون حلولًا وسطًا، دون تنازل جوهرى واحد ينال من التضحيات الهائلة، التى بُذلت فى ميادين الحرب.