مع قرب تولى الوزير نبيل فهمى منصبه كأمين عام جامعة الدول العربية، أدعو معاليه إلى إطلاق حوار عربى فكرى واسع، أو ما يمكن تسميته «اللقاء الفكرى العربى لتحديد مستقبل الجامعة والنظام العربى»، يجمع نخبة من المفكرين والأكاديميين والخبراء الاستراتيجيين وقادة الرأى من مختلف الدول العربية.
للإجابة على عدد من التساؤلات: ويعد السؤال الأهم هو ليس فقط كيف ندير الأزمات القائمة، بل كيف نفهم جذورها ونشخص واقعنا بدقة قبل أن نبحث عن الحلول. ومن هذا المنطلق، فإن من أولى المهام التى يمكن أن يضطلع بها الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، الوزير نبيل فهمى، أن يشكل منصة للتفكير الجماعى فى مستقبل الجامعة العربية والنظام العربى وآليات تطوير العمل العربى المشترك بما يتلاءم مع متغيرات المرحلة.
فالجامعة العربية تقف اليوم أمام مرحلة تاريخية تختلف عن كل المراحل السابقة. المنطقة العربية تعيش تحولات عميقة ومتسارعة، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، بينما تتزايد التغيرات الإقليمية والدولية التى تؤثر بصورة مباشرة على مستقبل الدول العربية ومكانتها فى العالم.
لقد أصبح من الواضح أن النظام العربى يمر بحالة مراجعة كبرى، وأن الأدوات التقليدية التى أُنشئت قبل عقود لم تعد كافية وحدها للتعامل مع واقع جديد أكثر تعقيدًا. فالحروب والصراعات الداخلية، والانقسامات السياسية العربية، والتدخلات الخارجية، وأزمات التنمية، والتحديات المرتبطة بالأمن الغذائى والمائى والتكنولوجى، جميعها تفرض ضرورة إعادة التفكير فى طبيعة العمل العربى المشترك وأهدافه وآلياته.
وفى الوقت نفسه، تتنامى لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية حالة من القلق تجاه المستقبل. فالمواطن العربى يتابع يوميًا أخبار النزاعات والأزمات الممتدة، ويرى أن الجامعة العربية، رغم تاريخها العريق ومكانتها الرمزية، لم تتمكن بالقدر الكافى من لعب الدور الذى ينتظره منها فى منع الصراعات أو احتوائها أو تسريع تسويتها. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين تطلعات الرأى العام العربى وبين الأداء المؤسسى للعمل العربى المشترك.
من هنا تأتى أهمية الدعوة إلى حوار فكرى عربى شامل لا يستهدف إصدار توصيات بروتوكولية أو بيانات سياسية تقليدية، وإنما يهدف إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية التى ستحدد مستقبل الجامعة العربية لعقود مقبلة.
السؤال الأول: كيف يمكن توصيف الواقع العربى الراهن بصورة موضوعية وصريحة؟ فقبل الحديث عن الحلول، نحتاج إلى تشخيص دقيق لحالة النظام العربي، وتحديد نقاط القوة والضعف، والفرص المتاحة، والمخاطر التى تواجه المنطقة. فالأمم التى تملك الشجاعة لتشخيص مشكلاتها هى الأكثر قدرة على تجاوزها.
أما السؤال الثانى، فهو: ماذا تريد الشعوب العربية من جامعة الدول العربية؟ هل تكتفى بأن تكون منصة للتنسيق السياسى والاقتصادى؟ أم أنها تتطلع إلى مؤسسة إقليمية أكثر تأثيرًا وقدرة على التدخل الإيجابى فى منع الأزمات وتسوية النزاعات وصناعة التوافقات العربية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال مهمة للغاية، لأن مستقبل الجامعة يجب أن يُبنى على احتياجات الواقع العربى وتطلعات شعوبه، لا على التصورات التقليدية التى صيغت فى ظروف تاريخية مختلفة.
السؤال الثالث يتعلق بمستقبل النظام العربى نفسه. فهل ما زال مفهوم العمل العربى المشترك قادرًا على مواكبة التحديات الراهنة؟ وكيف يمكن تطويره ليصبح أكثر مرونة وفاعلية؟ وما هى المجالات التى ينبغى أن تحظى بالأولوية خلال العقد القادم؟
إن العالم من حولنا يشهد صعودًا متزايدًا للتكتلات الإقليمية التى أصبحت تلعب أدوارًا مؤثرة فى الاقتصاد والسياسة والأمن. وبينما تتجه هذه التكتلات نحو المزيد من التكامل والتنسيق، لا يزال العالم العربى يبحث عن الصيغة التى تمكنه من استثمار إمكاناته البشرية والاقتصادية والجغرافية الهائلة فى مشروع جماعى أكثر فاعلية.
ولذلك فإن اللقاء الفكرى العربى المقترح يجب ألا يقتصر على السياسيين والدبلوماسيين فقط، بل ينبغى أن يضم خبراء الاقتصاد والأمن والتنمية والتكنولوجيا والثقافة وعلم الاجتماع، لأن التحديات التى تواجه المنطقة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت متعددة الأبعاد.
كما أن من الضرورى أن يتضمن الحوار نقاشًا حول مستقبل دور الجامعة العربية فى إدارة الأزمات العربية العربية. فالتجارب أثبتت أن تكلفة النزاعات تزداد كلما تأخر التدخل السياسى والوقائى. ولذلك فإن تطوير آليات عربية للوساطة والإنذار المبكر وبناء الثقة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من رؤية الجامعة الجديدة.
وقد يكون من المفيد أن يخرج هذا الحوار بوثيقة استراتيجية عربية للمستقبل، تمثل خريطة طريق تحدد أولويات العمل العربى المشترك خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة، وتوضح الأهداف الواقعية التى يمكن تحقيقها، وآليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.
إن الفرصة المتاحة أمام الأمين العام الجديد ليست فقط فى إدارة مؤسسة إقليمية عريقة، بل فى إطلاق عملية تفكير عربى جماعى تعيد صياغة العلاقة بين الجامعة العربية وشعوبها. فالمؤسسات الكبرى تتجدد عندما تمتلك القدرة على مراجعة ذاتها والاستماع إلى مجتمعاتها واستشراف المستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الحاضر.
إن الدعوة إلى حوار عربى لتشخيص واقعنا ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية واستراتيجية. فقبل أن نختلف حول الحلول، علينا أن نتفق على توصيف المشكلات. وقبل أن نضع خطط المستقبل، علينا أن نحدد بدقة أين نقف اليوم وأين نريد أن نصل غدًا؟.
ولعل هذا اللقاء الفكرى العربى، إذا ما تبنته الأمانة العامة الجديدة للجامعة العربية، يكون بداية مسار جديد يعيد الثقة فى العمل العربى المشترك، ويمنح الشعوب العربية أملاً بأن مؤسساتها الإقليمية قادرة على التطور والتجدد ومواكبة تحديات القرن الحادى والعشرين.
فالجامعة العربية لا تحتاج فقط إلى إدارة جديدة، بل إلى رؤية جديدة، وحوار جديد، وعقد عربى جديد يؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وتعاونًا وقدرة على مواجهة التحديات التى تنتظر المنطقة وأجيالها القادمة.
كاتبة ومحللة سياسية