بين إدارة الخوف وبناء المستقبل.. قراءة فى مأزق الدولة العربية اليوم - سماء سليمان - بوابة الشروق
الأربعاء 14 يناير 2026 11:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

بين إدارة الخوف وبناء المستقبل.. قراءة فى مأزق الدولة العربية اليوم

نشر فى : الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 يناير 2026 - 7:55 م

تعيش الدول العربية اليوم حالةً معقّدة ومربكة، وقد لا يحتاج القارئ إلى كثير من التحليل ليشعر بأن شيئًا ما لا يسير على ما يُرام. الأزمات تتراكم، والصراعات تحيط بنا من كل جانب، والتدخلات الخارجية أصبحت جزءًا من المشهد اليومى. والسؤال الذى يفرض نفسه بهدوء، لكنه لا يغيب أبدًا: هل نعرف فعلًا كيف نمنع هذا الواقع من الانزلاق نحو الأسوأ؟

 


هذا الوضع لم يولد فجأة، ولم يكن نتيجة حادثة واحدة أو قرار خاطئ عابر. هو حصيلة سنوات طويلة من إدارة مؤقتة للأزمات، حيث جرى تأجيل الحلول الحقيقية والاكتفاء بإطفاء الحرائق. ومع الوقت، تحولت هذه المقاربة إلى نمط ثابت، فضعفت الدولة، وتآكلت قدرتها على الفعل المستقل، وأصبحت بعض بلداننا ساحات مفتوحة لصراعات لا تخدم مصالح شعوبها بقدر ما تخدم حسابات الآخرين.
كثير من الدول العربية ما زالت تملك مؤسسات وجيوشًا وأعلامًا وحدودًا، لكنها فى العمق فقدت جزءًا مهمًا من سيادتها. فالقرار السياسى والأمنى لم يعد، فى حالات كثيرة، نابعًا من توازن داخلى صحى، بل بات مرتبطًا بضغوط خارجية، سواء كانت مساعدات اقتصادية أو حماية أمنية أو اعتبارات دولية.
ومع هذا الارتهان، أصبح أى تفكير فى الإصلاح محفوفًا بالخوف من ردود الفعل الخارجية قبل الداخلية.
وفى الداخل، تبدو العلاقة بين الدولة والمجتمع مأزومة أكثر مما يُعلن. فالتنوع الاجتماعى والثقافى والدينى جرى التعامل معه كخطر ينبغى ضبطه، لا كواقع يجب تنظيمه سياسيًا. ومع غياب مشروع جامع للمواطنة، استُخدمت الأدوات الأمنية بدل الحوار والإصلاح. وقد يكون هذا النهج قد وفّر هدوءًا ظاهريًا فى بعض الفترات، لكنه فى المقابل راكم الغضب والشعور بالتهميش، وجعل الرابط بين المواطن والدولة هشًا وقابلًا للكسر عند أول اختبار حقيقى.
وزاد الأمر تعقيدًا أن الإصلاح نفسه بات يُنظر إليه كتهديد فى العديد من الدول العربية، فالتجارب القاسية التى شهدتها المنطقة عززت الخوف من التغيير، وخلقت قناعة بأن أى انفتاح سياسى قد يقود إلى الفوضى والانهيار. وبدل التمييز بين الإصلاح المدروس والفوضى، جرى الخلط بينهما، فتم تجميد الحياة السياسية وتشديد القبضة الأمنية، فى بعض الدول العربية ما أدى فى النهاية إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل الخروج منها.
وعلى المستوى الإقليمى، لا يمكن تجاهل حالة التفكك العربى. فالخلافات بين الدول، وغياب الثقة، وتضارب الأولويات، جعلت من الصعب بناء أى موقف مشترك.
ولم يبقَ هذا الفراغ فارغًا، بل دخلته قوى إقليمية ودولية، مستفيدة من الانقسامات الداخلية. ومع كل أزمة جديدة، تتحول الدولة المعنية إلى ساحة صراع مفتوحة، يدفع ثمنها المجتمع قبل أى طرف آخر.
واقتصاديًا، لا تقل الصورة هشاشة. فالاعتماد على الريع، وضعف الإنتاج، وارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب، جعلت المجتمعات أكثر توترًا وأقل قدرة على الصبر. ورغم الإدراك الواسع بأن التنمية هى أساس الاستقرار الحقيقى، ما زال الإنفاق الأمنى والعسكرى يتقدم على الاستثمار فى الإنسان والتعليم وبناء اقتصاد منتج، وكأن الأمن يمكن أن يُشترى إلى ما لا نهاية دون كلفة اجتماعية.
فى ظل كل ذلك، أصبح الخوف هو المحرك الأساسى للسياسات: خوف من الداخل، وخوف من التغيير، وخوف من فقدان الدعم الخارجى.
لكن الدولة التى تُدار بالخوف تفقد تدريجيًا قدرتها على المبادرة، وتتحول إلى كيان يكتفى بردّ الفعل وتأجيل الاستحقاقات. ومع مرور الوقت، لا يحمى هذا الخوف الدولة، بل يستنزفها ويضعف شرعيتها ويفتح الأبواب أمام تدخلات أعمق.
ومع هذا كله، لا يمكن القول إن الطريق مسدود بالكامل. فما زال هناك هامش للتحرك، لكنه يضيق مع الزمن. والمطلوب ليس قفزًا فى المجهول، ولا صدامًا مع العالم، بل انتقال تدريجي ومدروس من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار، أى انتقال يعيد الاعتبار للمواطنة، ويفتح المجال لإصلاحات محسوبة، ويؤسس لحدٍّ أدنى من التنسيق العربى فى القضايا المصيرية.
فى النهاية، تكمن المفارقة القاسية فى أن الدول العربية تعرف، فى الغالب، ما الذى ينبغى فعله لتفادى الانهيار، لكنها تتردد بسبب كلفة التغيير السريعة. غير أن التجربة أثبتت أن كلفة الجمود دائمًا أعلى. وبين إدارة الخوف وبناء المستقبل، لم يعد القرار قابلًا للتأجيل، لأن ثمن الانتظار أصبح أفدح من ثمن الفعل.

سماء سليمان كاتبة ومحللة سياسية
التعليقات