الإنذار المبكر.. حين يبوح المستقبل بما لا يقوله الحاضر للدول العربية - سماء سليمان - بوابة الشروق
الأحد 30 نوفمبر 2025 11:48 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

كمشجع زملكاوي.. برأيك في الأنسب للإدارة الفنية للفريق؟

الإنذار المبكر.. حين يبوح المستقبل بما لا يقوله الحاضر للدول العربية

نشر فى : الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 6:10 م

 

فى عالم لم يعد يتسم بالثبات، وفى زمن صار فيه من الصعب تحديد طبيعة النظام الدولى أو استشراف اتجاهاته، باتت المنطقة العربية تقف فى قلب تنافس دولى محموم، تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، وتتحول ساحاته إلى ميادين اختبار لنفوذ متعدد الأوجه. وفى ظل هذا المشهد المضطرب تبرز الحاجة الملحة إلى تبنّى فكر الإنذار المبكر كأداة تُمكّن العرب من قراءة المستقبل قبل أن يفرض نفسه، واستيعاب التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات تستعصى على الاحتواء. فالإنذار المبكر ليس مجرد تقنية لتحليل البيانات، بل هو ذهنية سياسية ترى ما وراء الحدث، وتلتقط ما يُسمى بالمؤشرات قبل أن تقوى وتتحول إلى وقائع تفرض كلفتها على الجميع.

يقوم الإنذار المبكر، فى جوهره، على تتبع الإشارات الصغيرة التى تتسرب عادة من بين ثنايا المشهد الدولى: تغيير طفيف فى لغة الخطاب السياسى، تصاعد غير مألوف فى وتيرة تحركات عسكرية، توتر فى الأسواق العالمية للطاقة، أو حتى تحول غير متوقع فى المزاج الاجتماعى داخل دولة من الدول. جميعها تفاصيل تبدو فى ظاهرها بسيطة، لكنها تتحول مع الزمن إلى خطوط أولى لرسم خريطة التهديدات والفرص.

إن القدرة على التقاط هذه الإشارات، وتحليلها، وربطها بعضها ببعض، هى ما يصنع الفرق بين دولة تفاجئها الأزمات، ودولة تتقدم بخطوة نحو المستقبل.

ولعلّ ما شهدته المنطقة العربية فى السنوات الأخيرة يؤكد بوضوح أهمية الإنذار المبكر. فعلى سبيل المثال، كشفت أزمة البحر الأحمر فى الفترة ما بين 2023 و2024 أن كثيرًا من المؤشرات التى سبقت التصعيد كانت كافية لتفعيل خطة عربية مشتركة لحماية الممر الملاحى الحيوى، لو توافرت منظومة إنذار قادرة على الربط بين المشاهد المتفرقة. كذلك فإن التحولات المتسارعة فى أسواق الطاقة العالمية، لا سيما التحول نحو الهيدروجين الأخضر، كانت إحدى الفرص التى التقطتها بعض الدول العربية بذكاء، فيما تأخر آخرون عن ركب الاستثمار فيها رغم وضوح الاتجاه العالمى.

أما ثورة الذكاء الاصطناعى التى تجتاح الاقتصاد العالمى فقد كانت مؤشراتها التقنية والاقتصادية واضحة منذ سنوات، غير أن الاستجابة العربية لها تفاوتت، وأظهرت أهمية وجود نظام إنذار قادر على تحويل المستقبل من تهديد محتمل إلى فرصة استراتيجية.

إن المنطقة العربية بحاجة إلى منظومة للإنذار المبكر تتجاوز حدود الدولة الواحدة، لأن طبيعة التحديات العابرة للحدود من الإرهاب إلى الهجمات السيبرانية إلى تحولات الطاقة، تفرض تعاونًا عربيًا يُبنى على المعرفة لا على ردود الفعل.

فالتنافس الدولى على المنطقة لا يحترم إلا من يمتلك قدرة استباقية؛ قدرة تفكك خطاب القوى الكبرى، وتفهم دوافعها، وتتابع تحركاتها فى مسارح النفوذ المختلفة. وفى ظل الدور الأمريكى التقليدى، والصعود الصينى الاقتصادى، والعودة الروسية بأشكال متنوعة، يصبح الإنذار المبكر ضرورة لحماية المصالح العربية، وصيانة القرار العربى المستقل.

ليس المقصود بالإنذار المبكر هنا غرفة عمليات مغلقة أو مؤسسة بيروقراطية جامدة، بل منظومة حية تتفاعل مع الوقت الحقيقى، تعتمد على جمع البيانات وتحليلها من قبل الخبراء وبخوارزميات الذكاء الاصطناعى، وتُحسن قراءة التقارير الدولية، وتستفيد من الجامعات ومراكز الأبحاث، وتربط بين وزارات الخارجية والدفاع والاقتصاد فى شبكة معلوماتية واحدة.

إنها منظومة قادرة على كشف التهديد قبل أن يستفحل، ورصد الفرصة قبل أن تختفى، وتقديم المشورة لصانع القرار فى الوقت المناسب، لا بعد فوات الأوان.

إن تفعيل الإنذار المبكر فى العمل العربى المشترك ليس ترفًا استراتيجيًا بل شرط من شروط البقاء والمنافسة فى عالم لا ينتظر المترددين. فالدول التى تمتلك القدرة على فهم المستقبل تملك قدرة أعلى على صنعه، والدول التى تستشعر الخطر قبل وقوعه تملك قدرة أكبر على تجنبه أو تحويله إلى مكسب. وفى ظل هذا الإدراك يصبح السؤال الأهم: هل نحن -كعرب- مستعدون للاستماع إلى ما يهمس به المستقبل قبل أن يتحول إلى عاصفة؟

 

كاتبة ومحللة سياسية

سماء سليمان كاتبة ومحللة سياسية
التعليقات