كيف فكّر ترامب فى إيران؟ - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الجمعة 6 مارس 2026 3:56 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

كيف فكّر ترامب فى إيران؟

نشر فى : الخميس 5 مارس 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الخميس 5 مارس 2026 - 7:10 م

قد لا يعرف الرئيس دونالد ترامب موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على خريطة العالم، وربما يجهل تاريخها وإرثها الحضارى، ناهيك عن تعقيدات علاقتها المركبة مع الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

ومنذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، جمع العداء بين واشنطن وطهران. وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، شهدت العلاقات بين الدولتين صورًا مختلفة من التصعيد والترهيب واحتجاز الرهائن والاشتباكات المسلحة والردع المتبادل وفرض العقوبات القاسية والتصنيفات بالإرهاب والتنكيل الدبلوماسى المباشر وغير المباشر. وأصبح العداء لإيران نوعًا من المسلمات فى دوائر صُناع القرار الأمريكى، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية؛ إذ لا يختلف الديمقراطيون عن الجمهوريين استراتيجيًا فى العداء لإيران. لكن ترامب ينظر إلى هذا الإرث من زاوية واحدة، ناهيك عن دور إسرائيل، إذ يركز على حقيقة يدركها، وهى أن سبعة رؤساء أمريكيين سابقين تعاملوا مع إيران كتهديد، وعملوا فقط على إدارة الصراع دون حسمه منذ عام 1979.

يتطلع ترامب إلى حسم ملف العلاقات الأمريكية – الإيرانية مرة واحدة وإلى الأبد، وأن ينجح فيما فشلت فيه ثلاث إدارات جمهورية فى عهود رونالد ريجان وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن، وأربعة رؤساء ديمقراطيين هم جيمى كارتر وبيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن.

من هنا، استدعى ترامب خلال كلمته التى أعلن فيها بدء الهجمات الخلفية التاريخية للعلاقات، وقال: «على مدى 47 عامًا، ظل النظام الإيرانى يردد شعار الموت لأمريكا». كما استعرض حوادث تاريخية، من اقتحام السفارة الأمريكية فى طهران واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يومًا، إلى مقتل 241 من مشاة البحرية الأمريكية فى بيروت عام 1983، والهجوم على المدمرة «يو إس إس كول» عام 2000، متهمًا إيران كذلك بالوقوف وراء مقتل وإصابة مئات الجنود الأمريكيين فى العراق.

دخل ترامب التاريخ من أوسع أبوابه بعودته الثانية إلى البيت الأبيض فى ثالث انتخابات خاضها، بعد إدانته جنائيًا بعشرات التهم. إلا أنه لا يكتفى بذلك، ويرى نفسه فى مكانة مؤسس الدولة جورج واشنطن، أو قادتها التاريخيين مثل أبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. وإلى جانب الدور الإسرائيلى، يتطلع ترامب إلى حسم ملف إيران مرة واحدة وإلى الأبد.

• • •

لكن ترامب يحتاج إلى إطار فكرى يُغلف به تحركاته الخارجية، خاصة ما يتعلق بشن الحروب، بعدما دأب فى حملاته الانتخابية الثلاث على التعهد بعدم خوض أى حروب خارجية، خصوصًا فى الشرق الأوسط. ويعتمد ترامب على مدرسة فكرية متطرفة لا ترى إلا ضرورة حسم الصراعات بصورة نهائية. وينطلق منطق حسم الصراع عند هذا التيار من رؤية تاريخية لصراعات القرن العشرين، وهى صراعات حُسمت بانتصارات واضحة وصريحة، وباعتراف كل أطرافها، ونجاحها فى إنجاز سلام لاحقًا.

ويستشهد هذا التيار بحالة الهزيمة الكاملة لألمانيا واليابان فى الحرب العالمية الثانية، حيث نعمت الدولتان بالسلام لاحقًا بعد اعترافهما بالهزيمة الكاملة واستسلامهما للمنتصرين. كما يستشهدون بحرب فيتنام، حيث هُزمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الجنوبيون، وحقق الشمال انتصارًا ساحقًا أدى إلى توحيد فيتنام، وهو ما سمح لاحقًا بقيام علاقات جيدة بين واشنطن وهانوى.

وعند هذا التيار، المتغلغل فى الدوائر المسيحية الصهيونية وفى إدارتى ترامب الأولى والثانية، فإن الصراعات التى لم تُحسم بهزيمة واضحة واعتراف كامل بالهزيمة لم يتحقق فيها سلام حقيقى. ويستشهدون بحالة الحرب الكورية (1950–1953)، التى انتهت بهدنة فقط، رغم سقوط ملايين الضحايا، ما أبقى النزاع مستمرًا. وبالمنطق نفسه، يرى مفكرو المسيحية الصهيونية أن عدم حسم إسرائيل انتصاراتها العسكرية، وعدم دفع الفلسطينيين والعرب إلى الاعتراف الكامل وغير المشروط بالهزيمة، هو ما يجعل الصراع مستمرًا حتى اليوم.

• • •

لا يعتبر ترامب نفسه رئيس حرب، بل يدّعى أنه رئيس سلام، مستشهدًا بما يعدّه وقفًا لإطلاق النار فى قطاع غزة وفى سبعة نزاعات أخرى، مؤكدًا أنه لن يخون تعهداته بعدم التورط فى حروب لا نهائية فى الشرق الأوسط، إذ إنه -بحسب رؤيته - سيدمر القوة العسكرية ومقدرات الدولة الإيرانية بأقل تكلفة ممكنة وعن بُعد.

ويبرر ترامب حروبه وهجماته، التى طالت سابقًا أهدافًا داخل أراضى سوريا والعراق واليمن وليبيا ونيجيريا والصومال، بأنها «عمليات جراحية» مؤثرة لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة. ويرى أن مهمة القوات الأمريكية ستنتهى بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو تركها دولة منزوعة السلاح، أو فرض مناطق حظر طيران كما جرى مع العراق فى تسعينيات القرن الماضى.

• • •

بعد إلغائه الاتفاق النووى عام 2018، وانتقاده لبنوده التى توصلت إليها إدارة الرئيس باراك أوباما، عرض ترامب فى عدة مناسبات لقاء نظيره الإيرانى للتفاوض على صفقة جديدة. وأعرب عن استعداده غير المشروط لعقد لقاء مباشر لبحث الخلافات والتوصل إلى اتفاق جديد يخدم مصلحة الطرفين.

وبعد عودته إلى البيت الأبيض، خدع ترامب إيران وانضم إلى العدوان الإسرائيلى عليها فى يونيو الماضى. وتصور أن تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ثم حشد قوة عسكرية أمريكية ضخمة بالقرب من إيران، كفيل بأن يدفع طهران إلى الاستسلام للمطالب الأمريكية، غير أن ذلك لم يحدث.

لم تدرك القيادة الإيرانية طبيعة شخصية ترامب، كما أساءت تقدير عمق وتعقيد علاقاته بإسرائيل، خاصة أن من أدار ملف التفاوض من الجانب الأمريكى صهره جاريد كوشنر، وصديقه ستيفن ويتكوف.

• • •

يتجاهل ترامب وكبار مستشاريه التاريخ والحضارة الإيرانيين، وكون إيران من الدول التى لم ينجح أحد فى إخضاعها بالكامل عبر تاريخها الطويل، فهى دولة يمتد تاريخها لآلاف السنين، انتفضت مرارًا ضد أى قوة غريبة دفاعًا عن نفسها منذ عهد الإسكندر الأكبر.

وفى كلمته لإعلان بدء القتال، وجّه ترامب حديثه إلى الشعب الإيرانى قائلًا: «أتوجه أخيرًا إلى الشعب الإيرانى العظيم، وأقول لكم إن ساعة حريتكم قد حانت الليلة. ابقوا فى منازلكم ولا تخرجوا، فالوضع فى الخارج شديد الخطورة. ستتساقط القنابل فى كل مكان. وعندما ننتهى، قوموا بالسيطرة على حكومتكم، وسينتقل زمام الأمور إليكم. وقد تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة».

وسبق أن وأدت الولايات المتحدة، عبر وكالة الاستخبارات المركزية، التجربة الديمقراطية الإيرانية بقيادة محمد مصدق عام 1953، ومن الصعب أن يصدق الإيرانيون ادعاءات ترامب، خاصة أنهم متيقنون من نوايا بنيامين نتنياهو.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات