عقب انتهاء الحرب الباردة فى بداية تسعينيات القرن الماضى، واعتقاد النخبة الأمريكية بانتصار نموذجها (السياسى، والاقتصادى، والاجتماعى، والثقافى)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديمقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمنى عسكرى قوى، لدى صانعى القرار الأمريكى. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديمقراطيون فى عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون فى عهد رونالد ريجان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأمريكى الأوحد على النظام العالمى.
مثّل صعود دونالد ترامب، بما يحمله من تصور مغاير للعالم، ووصوله إلى البيت الأبيض عقب انتخابات 2016، هزةً عنيفة لإجماع واشنطن، وللاعتقاد بهيمنة القطب الأمريكى الأوحد على المشهد العالمى. كما مثّلت عودة ترامب الثانية والأخيرة إلى البيت الأبيض عقب انتخابات 2024 إيذانًا عمليًّا بانتهاء «إجماع واشنطن»، مع رفض إدارة ترامب –كما ظهر فى استراتيجيتها للأمن القومى، التى صدرت فى ديسمبر الماضى عن البيت الأبيض، وما أعقبها من صدور إستراتيجية البنتاجون– لهذا النهج.
حطم انتخاب دونالد ترامب (الأول والثانى)، وسيطرته اللاحقة على الحزب الجمهورى، وتبنيه لأجندة «أمريكا أولًا»، إجماع واشنطن، وطرح تحديًا كبيرًا له. ولا يُعرف بوضوح ما الذى سيحل محل هذا الإجماع، أو متى يمكن إعلان ذلك، فى ظل وجود رئيس وإدارة شعبوية متمردة على ثوابت النظام العالمى القائم على قواعد رسختها واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فى منتصف أربعينيات القرن الماضى.
ورغم هيمنة ترامب وقراراته وسياساته على المشهد العالمى، فإننا لسنا أمام نظام أحادى القطبية، على الرغم من تحرك واشنطن أحيانًا فى هذا الاتجاه (مثل نموذج مجلس السلام الخاص بغزة). ورغم صعود الصين وتحديها للقوة الأمريكية، فإنه من المبكر الحديث عن ثنائية قطبية، فى ضوء التزام الصين الصارم –حتى الآن– بعدم تمديد نفوذها العسكرى خارج نطاقها الإقليمى الضيق. ويبقى السؤال: هل يعنى ذلك أننا أمام نظام متعدد الأقطاب، حيث تتوزع مناطق النفوذ بين عدد من اللاعبين الرئيسيين فى مختلف أقاليم العالم؟ ليست الإجابة بالضرورة نعم، إذ إن هناك تداخلات معقدة بين القوة الاقتصادية، وحجم الإنفاق العسكري، والنفوذ، والمشاركة فى المنظمات الدولية. لكن الأدق أننا فى مرحلة صيرورة لتشكل نظام عالمى لم تتحدد ملامحه ولم تكتمل بعد.
• • •
ورغم أن الولايات المتحدة مارست دورًا قياديًّا فى تشكيل النظام العالمى قبل نحو 80 عامًا، بعد الانتصار فى حرب عالمية، فإنها تؤدى مرة أخرى دورًا قياديًّا فى تشكيل نظام عالمى جديد، من خلال سيرها فى مسار بطىء من التراجع النسبى بعد عقود من قيادتها للعالم بلا منازع.
ومن المفارقات أن أفعال الولايات المتحدة نفسها تُسرع هذا التحول نحو التعددية القطبية. فقد صُممت السياسات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية للتضحية ببعض القوة قصيرة الأجل من أجل تثبيت النفوذ الأمريكى على المدى الطويل. فقد بنت واشنطن مؤسسات دولية، منها: منظمة الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسى (الناتو)، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، ومؤسسات أخرى، أسهمت جميعها فى تثبيت القوة الأمريكية لفترة طويلة. كما قللت هذه الشبكة من السلوك العدوانى بين الدول الكبرى، وحفزت دولًا كبرى، مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا واليابان وكوريا الجنوبية، على الاستمرار فى التعاون مع الولايات المتحدة.
وهكذا تشكلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير معلن مفاده أن الولايات المتحدة هى القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها –بل من واجبها– إدارة النظام الدولى، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافة إلى الإرهاق الداخلى من الحروب الممتدة فى الشرق الأوسط، دفعت صُنّاع القرار فى واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.
ومن ناحية ثانية، اعتقدت مدرسة السياسة الخارجية الأمريكية أن تدفقات رأس المال والعولمة الاقتصادية ستحرر الصين وتمهد لتحول ديمقراطى داخلى مع تحسن المستوى المعيشى لمئات الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة، بما يؤدى إلى تهدئة العلاقات بين أكبر قوتين فى العالم. كما توقع المفكرون الأمريكيون أن تتحول روسيا بسرعة إلى ديمقراطية ليبرالية واقتصاد سوق حرة، وأن يحول الناتو تركيزه من حماية أوروبا الغربية إلى إصلاح ودمج وتكامل العلاقات مع روسيا، دون قلق كبير من احتمال الاضطرار للدفاع عن أعضاء جدد. كما افترضوا أن الجيش الأمريكى سيعمل كشرطى عالمى، وأن بإمكان الولايات المتحدة إعادة هندسة الدول ومجتمعاتها فى العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان.
• • •
وتؤكد الوثائق الحديثة أن هدف إدارة ترامب –كما ورد فى إستراتيجية البيت الأبيض للأمن القومى– هو تقليل الانخراط الأمريكى فى قضايا الشرق الأوسط، من خلال تمكين الحلفاء والشركاء هناك من تحمل «المسئولية الأساسية» عن أمن المنطقة، مدعومين بصفقات ضخمة من مبيعات الأسلحة الأمريكية.
وسيعتمد نهج إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط على قيام الشركاء الإقليميين –أى حلفاء واشنطن فى المنطقة– بدور أكبر، خاصة فى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران. وهكذا ترى الإستراتيجيات الأمريكية الجديدة أن على الولايات المتحدة تقليل أولوية الشرق الأوسط، دون التخلى عنه. فعلى مدار قرن تقريبًا، اعتُبر الشرق الأوسط واحدًا من ثلاثة مسارح رئيسية للأمن الأمريكي، إلى جانب أوروبا وآسيا. وكان هذا التوجه مدفوعًا إلى حد كبير بالحاجة إلى النفط لتغذية الاقتصاد العالمى والجيش الأمريكي، ولاحقًا بسبب المخاوف من الإرهاب.
ومع ذلك، فقد تراجعت مخاوف الشعب الأمريكى من الإرهاب، كما غير ازدهار الإنتاج التكنولوجى الأمريكى للطاقة من الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط. وفى الواقع، فإن الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة بات يحمى –إلى حد كبير– إمدادات الطاقة المتجهة إلى الصين. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تكون موجودة فى كل مكان فى آن واحد، لذا فإن تعديل انتشارها العسكرى فى المنطقة يبدو مبررًا. غير أن مغامرة ترامب بشن حرب بلا أهداف واضحة على إيران تُربك المخططين الإستراتيجيين الأمريكيين.
كاتب صحفى متخصص فى الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن