المستقبل ليس أمريكيا ولا صينيا! - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الخميس 21 مايو 2026 7:27 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

المستقبل ليس أمريكيا ولا صينيا!

نشر فى : الخميس 21 مايو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الخميس 21 مايو 2026 - 6:30 م

جددت زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأخيرة للصين تأمل مفكرى ومنظرى العلاقات الدولية حول العالم فى مصير واتجاه وتبعات التقدم الصينى الصاروخى فى كل المجالات تقريبا، وإذا ما كان يعنى ذلك أن الهيمنة الأمريكية على الشئون الدولية فى طريقها إلى الأفول لصالح هيمنة صينية مستقبلية حتمية.
وعلى مدى العقود السبعة الماضية، جلست الولايات المتحدة على قمة النظام العالمى، وهندست وأسست المنظمات الدولية، الاقتصادية منها والسياسية، ودفعت بعملتها الدولارية لتصبح العملة الاحتياطية العالمية، وطورت قوة عسكرية لا ينازعها أحد. ومع زيارة ترامب للصين، عاد سؤال: «هل الصين تهديد حقيقى لهذه الهيمنة؟» للنقاش بصورة واسعة. وقد هيمنت أمريكا، ولا تزال، بقوتها الخشنة الغليظة والطائشة فى كثير من الأحيان، وهيمنت أمريكا، ولا تزال، بقوتها الناعمة وإنتاجها الثقافى والفنى والرياضى، الذى لا ينازعها فيه أحد، ولن يتغير ذلك سريعا.
* • •
نعم، تحولت الصين من اقتصاد زراعى متواضع إلى مصنع العالم خلال نصف القرن الأخير، وقد تتجاوز الصين الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد فى العالم طبقا لأغلب المعايير المتبعة. وفى الوقت ذاته، لا تتردد الصين فى جعل جيشها أكبر جيش على وجه الأرض بتجاوز نظيره الأمريكى، مع تضييق الفجوة التكنولوجية، وقدرات الحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعى بسرعة تربك الخبراء الأمريكيين. وحاليا تهيمن الصين على ما يقرب من 80% من المعادن الأرضية النادرة - وهى مواد ضرورية لأشباه الموصلات وبطاريات المركبات الكهربائية والأسلحة المتقدمة - بما يمنحها قبضة قوية على سلاسل التوريد العالمية. وفى الوقت ذاته، تنتج الصين حوالى 60٪ من المركبات الكهربائية فى العالم.
وتتمتع الصين كذلك بما لا تتمتع به أمريكا من صبر استراتيجى يسمح لها بسهولة التخطيط لعشرة أو عشرين عاما قادمة دون القلق من نتائج انتخابات لا يُعرف أثر مخرجاتها أو تأثيراتها.
من ناحية أخرى، يعد النجاح الساحق لـ«السيارات الكهربائية» وتطبيق «تيك توك» إشارة عاكسة لحجم وقوة النموذج الصينى. إلا أنهما فى الوقت ذاته يعبران عن قصور النموذج الصينى وسط هيمنة أمريكية ساحقة بتطبيقاتها التكنولوجية التى يستخدمها سكان كوكب الأرض، مثل إكس وفيسبوك وإنستجرام ويوتيوب وغيرهم. ولا يعرف خارج الصين اسم نجم سينمائى صينى يتمتع بجاذبية عالمية فى شباك التذاكر مثل عشرات ومئات الممثلين الأمريكيين، ونفس الشىء يتكرر مع الموسيقيين الصينيين، والمفكرين الصينيين، والعلامات التجارية، ناهيك عن هيمنة اللغة الإنجليزية. ومن ناحية القوة الخشنة، ورغم عدم شرعية الحروب الأمريكية وغياب مبررات أخلاقية لها، لم يخض الجيش الصينى أى قتال فى نصف القرن الأخير، ولم تُختبر الأسلحة الصينية أو الجنود والطيارون الصينيون فى معارك يخوضونها ويستفيدون منها.
* • •
الأمريكيون عالميون جدا، سواء بتركيبتهم السكانية والدينية والإثنية المتنوعة، بما يمنحهم أبعادا واهتماما استثنائيا بما يحدث حول العالم، وهو ما لا يتمتع به الصينيون بسبب طبيعة التركيبة السكانية المنغلقة.
لا يريد الكثيرون حول العالم الهجرة أو الانتقال للعيش فى الصين رغم ما شهدته من تطور وصعود صاروخى جعل الناتج المحلى للفرد يصل لنحو 13 ألف دولار العام الماضى، وهو ما يقترب من نظيره فى المكسيك، جارة أمريكا الجنوبية ومصدرها لملايين المهاجرين سنويا، فى حين يقترب الرقم من 90 ألف دولار للأمريكى.
رغم كل الضجيج الذى يسببه دونالد ترامب، وهو ما أدى ويؤدى إلى تهديد قيم أمريكية راسخة، ورغم ما تقترفه الحكومات الأمريكية من حروب غير عادلة، ودعم حرب إبادة إسرائيلية فى غزة وجنوب لبنان، وتجديد واشنطن خطاياها فى الشرق الأوسط بحربها على إيران، إلا أن المجتمع الأمريكى يعمل جاهدا فى مسار تغيير لا يتوقف للابتعاد عن هذه السياسات الظالمة والمسببة للشعور بالعار لدى أغلبية الشباب الأمريكى.
* • •
قبل ستة أعوام، نشر المفكر كيشور محبوبانى (Kishore Mahbubani)، وهو دبلوماسى سنغافورى رفيع سابق وخبير حاليا بجامعة سنغافورة الوطنية، كتابا مهما رسم خلاله مسار وسبيل تحدى الصين لتفوق الولايات المتحدة العالمى. جاء عنوان الكتاب: «هل انتصرت الصين؟ التحدى الصينى للهيمنة الأمريكية». وقبل ذلك، وخلال السبعينيات، خرجت كتب مماثلة تتحدث عن «الخطر اليابانى» مع انتشار منتجات شركات سونى ونيكون وباناسونيك وهيتاشى فى كل مولات أمريكا. ما نراه اليوم ليس إلا تكرارا لحديث أفول الهيمنة الأمريكية العالمية، وللنظام الذى أسسته واشنطن عقب الحرب العالمية الثانية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع حتى مع سياسات ترامب غير المنطقية.
وفى الوقت ذاته، يرى الأمريكيون أن طريقة حياتهم يتم استنساخها حول العالم بسرعة مكوكية، ناهيك عن السينما واللغة الإنجليزية وسحرهما حول العالم، مقارنة باللغة المهددة لعرشهما، وهى اللغة الصينية.
ومع احتفاظ الجامعات الأمريكية بمسافة طويلة جدا تبعدها عن أى منافسة حقيقية مع أى من نظيراتها حول العالم، وطبقا لترتيب أفضل جامعات العالم الذى تجريه جامعة شنغهاى الصينية، كان نصيب الولايات المتحدة 17 من بين أهم 20 جامعة حول العالم، لا يقلق الأمريكيون كثيرا من كل النقاش حول ريادة دولتهم.
ويؤمن أغلب الأمريكيين بأن تعقد صناعة التكنولوجيا يدفع إلى حتمية تعاون الطرفين فى الكثير من المجالات، بل والدفع لاعتمادهما على البعض بصورة متزايدة. وعلى سبيل المثال، يُكتب على تليفونات شركة آبل الأمريكية عبارة: «صُمم فى كاليفورنيا، وجُمع فى الصين». وستبقى أمريكا مهيمنة حتى مع تراجع أرقامها مقارنة بالصين. ولن تعنى أرقام الصين الكثير إلا إذا منح النظام الصينى الثقة لنفسه وسمح لشعبه باستخدام ما هو ممنوع هناك حاليا، مثل تطبيق فيسبوك وتويتر، أو قراءة نيويورك تايمز وأخبار وكالة رويترز. ودون ذلك الانفتاح الضرورى، لن تستطيع الصين منازعة أمريكا فى ريادتها للعالم، حتى لو وصلت الصين إلى الرقم واحد فى الاقتصاد أو براءات الاختراعات، أو فى عدد السفن الحربية والغواصات.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات