فى واحد من آخر لقاءاتنا معه فى القاهرة، وكنا يومها عددًا من كتاب ونقاد عرب متحلقين من حول المفكر والناقد جابر عصفور، قال لنا بهدوء إنه لا يجد مبررًا ليندم على أى شىء فى حياته، بقدر ندمه على المهمة الأخيرة التى أداها فى تلك الحياة: توليه منصب وزير الثقافة فى زمن ليس زمنه ولا زمن الثقافة، لا فى مصر ولا فى أى بلد عربى آخر. فى مرحلة أساءت إليه شخصيًا. ومن المعروف أن تلك الإساءة كمنت فى هجمات تعرض لها حتى من أقرب أصدقائه ومحبيه المنتشرين فى مصر والعالم العربى وخارجه، من الذين لم يستسيغوا تسلمه تلك الوزارة تحت حكم الإخوان المسلمين. يومها ناقشناه كثيرًا فى الأمر، وليس من غاياتنا هنا العودة إلى تلك النقاشات. ولكن من المؤكد أننا كنا، كما كان جابر عصفور، نشعر بأنه لو ختم حياته «الوظيفية» بما قام به ضمن إطار المركز القومى للترجمة، لكان أفضل له ولمصر.
والحقيقة أن ذلك المركز، الذى كان قد تأسس عمليًا ضمن إطار المجلس الأعلى للثقافة حين كان يرأسه ذلك المفكر والناشط الثقافى الكبير، فى العام ١٩٩٦، قبل أن يتحول إلى مركز مستقل فى العام ٢٠٠٦، سرعان ما تحول إلى صرح ثقافى كبير، حتى وإن كان قد عجز عن تحقيق الغاية الأولى التى كانت متوخاة منه، وهى أن ينتج ألف كتاب وأكثر فى العام، تقربًا من تلك الأرقام المدهشة التى كان يتناولها الخبراء والباحثون والمتعلقة ببلدان فى العالم ينتج واحدها ما يصل أحيانًا إلى عشرين ألف كتاب مترجم فى العام.
ونتذكر اليوم أننا، فى عام صدور القرار الجمهورى بإنشاء مركز الترجمة ككيان مستقل برئاسة جابر عصفور، كنا فى القاهرة وشهدنا اللحظة التى أبلغ فيها الوزير فاروق حسنى صديقه جابر عصفور بالأمر. وكان هذا الأخير يتوقع ذلك ويستعد له، معتبرًا إياه واحدًا من أحلامه الكبيرة وقد تحققت.
يومها سأله صديق سورى عما سيحل بالمجلس القومى إذ سيتركه، فأجابه أنه سيتركه بين أيدٍ أمينة، و«أنا واثق»، أضاف، «من أن تلك الأيدى ستعرف كيف تدير الأمور»، وبشكل يرضى المبدعين العرب من محبى مصر الذين كان واحد منهم، وهو الكاتب اللبنانى محمد دكروب، يطلق عليهم اسم «دراويش المحروسة». ولم نكن حينها نعرف أن تلك الأيادى ستكون أيادى على أبو شادى فيتلوه عماد الدين أبو غازى، البيضاء الشريفة. لكن هذه حكاية أخرى بالطبع.
حكايتنا هنا هى حكاية تلك المؤسسة التى سرعان ما باتت عريقة، وتمكنت خلال سنوات قليلة من تحقيق ولو جزء لا بأس به مما استهدفته. وحسبنا لتبيان ذلك هنا أن نقارن بين ما أنجزه المركز القومى للترجمة، وبين ما قامت به عدة مشاريع مشابهة ستظهر خلال تلك المرحلة نفسها فى عمان الأردنية، وبيروت، إنما بتمويل عراقى سخى، ودبى بدعم رسمى من أمير البلاد، ثم أخيرًا فى البحرين بمبادرة رسمية مدعومة من منظمة اليونسكو... وما إلى ذلك. وكانت كلها مؤسسات تسعى لهدف واحد، دون أن يكون مشتركًا، يقوم على ترجمة أمهات الكتب العالمية إلى العربية ومن شتى لغات العالم. ولا بأس أن نبدأ حديثنا حول هذا الأمر بلغة الأرقام: ففى مشروع البحرين جرت، خلال ما يزيد عن عشر سنوات، ترجمة خمسين كتابًا، منها سبعة قواميس غاية فى الأهمية، ومنها ما هو طبعات جديدة لإصدارات قديمة. وفى دبى تمت ترجمة عدد لا بأس به، إنما يعد بالعشرات فى الإمارة، وتميز معظمها شكلًا ومضمونًا على أية حال. وفى بيروت، حيث قامت منظمة للترجمة تابعة لمركز دراسات الوحدة العربية بإصدار نحو ١٥٠ كتابًا خلال ما لا يقل عن ١٥ سنة، اعتبر ذلك إنجازًا كبيرًا أُنفق عليه عشرات الملايين من الدولارات. أما فى عمان فقد أسس المفكر والمترجم فايز الصياغ مؤسسة «ترجمان»، التى سرعان ما سوف تلتهم من قبل إحدى المؤسسات القطرية، لتموت بالتدريج موتًا سريريًا، وعلى الأقل بالنسبة إلى ما كان يتطلع إليه مؤسسها الذى سيموت هو نفسه بحسرتها بعد حين من استيلاء الهيئة القطرية عليها.
فهل تعلمون عدد الكتب التى صدرت خلال الحقبة نفسها ضمن إطار نشاطات المركز القومى للترجمة بإشراف جابر عصفور شخصيًا؟ حسنًا، سنقول لكم على الفور طالما أن الأمر ليس أرقامًا سرية، بالنظر إلى أن كل كتاب مترجم أصدره المركز يحمل رقمًا مسلسلًا: لقد تمكن جابر عصفور ومساعدوه القلائل من إصدار ما لا يقل عن أربعة آلاف كتاب فى أقل من عشر سنوات، أى خلال فترة الذروة التى بلغ فيها «التنافس» على الإنجاز العظيم الذى يتمثل فى إقدام نحو نصف دزينة من مؤسسات فى نحو نصف دزينة من مدن عربية على تحقيق تلك المشاريع الهائلة لضخ المكتبات العربية بأمهات الكتب الآتية من شتى لغات العالم.
وهنا، إذ نتحدث عن شتى لغات العالم، قد يكون تأكيدنا هذا مقتصرًا على المشروع المصرى وحده، على الأرجح. وذلك بالتحديد لأن العدد الأكبر من المؤسسات العربية الأخرى إنما ترجم خاصة عن الإنجليزية والفرنسية، وذلك على أية حال، وكما نعرف، من أسهل الأمور، خاصة إذا عرفنا أن عددًا كبيرًا مما ترجم لم يكن ترجمات جديدة، بل ترجمات قديمة لكتب معروفة.
إن شيئًا مثل هذا حدث فى المؤسسة المصرية بالتأكيد، وكان ضمن تعهدات بداياتها، غير أن العدد الأكبر مما صدر فى القاهرة، أى من تلك الألوف من العناوين، فقد ترجم حديثًا حينها وعن لغات ندر أن عرفت لغة الضاد ترجمات منها من قبل إلا فيما ندر. ولسنا فى حاجة هنا إلى وضع لائحة بتلك الكتب ولغاتها الأصلية. فقط لا بد لنا من الإشارة إلى أنه، لئن كانت لنا فى أحيان مآخذ معيبة على نمط التصحيح اللغوى أو التقنيات الطباعية أو حول كتب عديدة خلت من تقديمات تعريفية وما شابه ذلك، فإن الواقع الذى كان يبدى الكم على النوع، وصعوبات الحصول على ما يكفى من التمويل، كان من شأنه أن يهدئ ما كان يصل أحيانًا إلى حدود الغضب، ولا سيما إذا تذكرنا أن معدل كلفة الكتاب الواحد الذى كان يصدر عن المشاريع الموازية فى مدن عربية أخرى غير القاهرة، كان يصل أحيانًا إلى ما لا يقل عن عشرين ضعف كلفة مثيله فى القاهرة. ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن جماليات كتب المركز القاهرى راحت تبرز بالتدريج، وبمقدار ما راحت تلك الكتب، المطبوعة بأسعار زهيدة فى أغلب الأحيان، تملأ البيوت المصرية والعربية المحبة للقراءة أو المكتشفة لها عامًا بعد عام.
من هذه الناحية، لا شك أن جابر عصفور، الذى كان الفرد وراء ذلك المشروع، إنما أغمض عينيه للمرة الأخيرة فى حياته وهو قرير العين إزاء ذلك المشروع الكبير والعظيم الذى لا بد من الإقرار اليوم بأنه كان مشروع عمره الحقيقى، والنجاح الذى حققه لمصر. مصر التى كان لا يراها، حتى رمقه الأخير، سوى عاصمة للثقافة العربية، ولا شك أنه قد ساهم مساهمات جمة فى استعادتها تلك المكانة، وفى أصعب لحظات تاريخها.