فى الوقت الذى عزز فيه جابر عصفور – وكما أشرنا فى المقال السابق من هذه الثلاثية التى نكرسها لهذا الكاتب والمفكر المصرى العربى الكبير– تحركه ضمن الحدود التى كانت تتيحها له رئاسة المجلس الأعلى للثقافة، فكان دائم التطلع إلى مشروع رأى أن من شأنه، فى انتظار حلول سياسية تأتى لاحقًا، وفى ظل ظروف كانت تبدو فى ذلك الحين بعيدة عن المشروع الثقافى على أى حال، استعادة مصر عمومًا والقاهرة بوجه خاص دورهما فى العالم العربى، كان ثمة ما ينهار بشكل بطىء وتدريجى فى تلك المكانة التى كانت باريس قد بدأت تحتلها بديلةً لبيروت والقاهرة وبغداد معًا، فى رعاية الثقافات العربية واحتضانها. وهو «مشروع» متعدد الوجوه والأهداف، تواصل نحو ربع قرن من الزمن، بين ١٩٧٥ و٢٠٠٠ تقريبًا. وفى ذلك الوقت، راح جابر عصفور يبحث عن خير الطرق وأكثرها إقناعًا وفاعليةً، فى غياب الأموال الضخمة التى قد يتطلبها مثل ذلك المشروع.
كان المشروع الذى تطلع جابر عصفور إلى تحقيقه يقوم، بكل بساطة، على خلق مناسبات متلاحقة يمكنها أن تغرى كبار المثقفين العرب بالحضور إلى مصر، من دون أن يعدّوا أنفسهم بتلك المكاسب التى يمكن أن تتحقق لهم فى الديار البعثية وشبه البعثية، أو حتى الخليجية ذات الثراء الطائل، أو تغريهم بالمسرات والبهرج اللذين كانا يتحققان لهم عبر الالتحاق بالمناسبات والإغراءات الباريسية التى، مقابل الثروات الموعودة هناك، يمكنها أن تؤمن عالميةً موجودة هنالك.
وكان عصفور يدرك، ويفاتحنا بذلك ضاحكًا، بأن كل تلك الوعود لم تكن سوى أوهام، وأن الجاذبية التى يمكن أن تؤمنها القاهرة، رغم تقشفها، ستكون أكثر فاعلية ما إن تنطلق تلك المناسبات الحقيقية أو المفتعلة التى كان يرى أنها قادرة على أن تساعده فى مشروعه العربى - القاهرى. والحقيقة أننا سرعان ما تبين لنا أن الرجل كان على حق فى رؤيته المبكرة تلك. وحسبنا اليوم أن ننظر إلى ناحيتين متكاملتين للتأكد من ذلك.
فمن جهة أولى، ستكون هناك تلك المؤتمرات التى نعرف أنها، فى حقيقتها، امتدادات لتلك التى برعت مصر فى عقدها – بعيدًا من تحويلها، كما يحدث فى العديد من البلدان العربية الأخرى التى راحت تقلدها، إلى مناسبات لتمجيد «سيادة الرئيس» أو «إنجازات الحزب الحاكم» أو ما شابه ذلك – والتى باتت من الخصوصيات القاهرية، وتجمع خيرة الكتاب والمفكرين والمثقفين العرب والقريبين من العرب، يجيئون إلى القاهرة لأيام، فيجتمعون ويتواصلون حول فكر أديب أو مفكر نهضوى، لكنهم، فى الحقيقة، ينضمون خلال تلك الأيام إلى جمهورية الفكر القاهرية الحقيقية، معيدين للمحروسة دورها، ثم يعود الواحد منهم إلى بلده وقد امّحت فى ناظريه تمامًا تلك الصور البشعة التى كان البعثيون وأضرابهم يتولون تأبيدها عن الدولة العربية الأم.
لقد رأوا بأعينهم، من دون أن يقول لهم أحد ذلك، ما بات بالنسبة إليهم حقائق دامغة، لتحل محلها، من الجهة الأخرى، تلك الصورة التى استعادت رونقها لمدينة استعادت كونها عاصمة للفكر والثقافة العربيين، وبخاصة من منطلق نهضوى تنويرى كان منطلق جابر عصفور فى كل ما يفعله لصالح بلاده، ولصالح الفكر العربى الذى كان دائمًا على يقين من أنه المبدأ الذى يحرك تلك البلاد. أما بالنسبة إلى الضيوف، فإنهم سرعان ما يشعرون أنهم هنا أكثر من ضيوف؛ إنهم مواطنون فى جمهورية الفكر العربية التى أسسها جابر عصفور هنا، أو أعاد تأسيسها، أو ساهم فى ذلك... مواطنون شاركوا، حتى من دون أن يدروا، فى ترسيخ تلك الرؤية الجديدة!
أما من ناحيته، فإن جابر عصفور لم يكن يتطلع، فى تلك المرحلة المبكرة، إلى أكثر من ذلك. وبالفعل، بقدر ما راح القمع فى جمهوريات البعث وما شابهها يزداد ويكشف قبح الصورة الخلفية، وحقيقة الإنفاق الثقافى بوصفه شراءً للضمائر، وبقدر ما كانت الأريحية المالية التى كانت تُغدق على باريس تتضاءل، راحت القاهرة تعود إلى دورها القاهرى العظيم الراسخ منذ نهايات القرن التاسع عشر على الأقل، وباتت تلك المساحة التى أطلقتُ أنا عليها اسم «فاتيكان القاهرة»، تيمنًا بالمنغلق الكاثوليكى وسط روما، كحيز مستقل يؤمن به وبوجوده ودوره من يُقيض له أن «يعيش» فى داخله، ويشعر أنه، على غرار المؤمنين فى العالم أجمع، باتت تلك المساحة عالمًا رائعًا تلتقى فيه بكبار أصحاب العقول المصرية والعربية والعالمية، مرة تحت ظل ذكرى توفيق الحكيم، ومرات يحيى حقى، أو الطنطاوى، أو طه حسين، أو أمين الريحانى، أو حتى سان سيمون ومن تبقى من جماعة السان سيمونيين... وتطول هذه اللائحة، لكنها لا تنتهى إلا بأكياس ضخمة منتفخة بعشرات الكتب، وأغلبها من الأمهات التى بات يمكن الحصول عليها بكل بساطة وبقروش زهيدة، لتصبح المشكلة الكأداء معها نقلها بالطائرة من القاهرة إلى مدن الضيوف، الحاملين إياها معهم ككنوز ثمينة.
ففى تلك الأثناء، كانت المطابع التابعة لجمهورية جابر عصفور، أو المتعاقدة معها، تعمل ليلًا ونهارًا لإصدار مئات الكتب والمطبوعات، مستعيدة ذلك الدور الذى كانت القاهرة قد افتقدته منذ سنوات، تبعًا لمقولة: «مصر تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ». والحقيقة أن جابر عصفور – الذى سميته أنا أيضًا آنذاك «بابا الجبلاية»، وأيضًا تيمنًا ببابا الفاتيكان، علمًا بأن «الجبلاية» هو الاسم القديم للمنطقة التى أقيمت دار الأوبرا الجديدة مكانها، ودار الأوبرا هى أرض الجمهورية التى نتحدث عنها بالطبع – لم يكن يهدأ نشاطًا بين المناسبة والمناسبة، والمؤتمر والمؤتمر. فهو، وكما كان يتمكن أحيانًا بمعجزة من تدبير نفقات تلك المناسبات والمؤتمرات، وغالبًا بدعم من الوزير فاروق حسنى والسيدة الأولى، تمكن أيضًا من أن يوفر تلك الأموال التى لم تتمكن فقط من ضخ المكتبات بمئات الكتب والمطبوعات التى صارت زينة، بل ضرورة قصوى، فى كل بيت مصرى، بل عربى أيضًا، معيدةً للقراءة مكانتها، وللكتاب المصرى والعربى حضوره بعد غياب، بل التفت كذلك إلى ناحية أخرى هى الترجمة، منطلقًا فى مشروع سوف نتحدث عنه فى الحلقة الثالثة والأخيرة من هذه السلسلة، التى إنما توخينا منها أن نلقى الضوء على رجل ونشاط صارا جزءًا من تاريخ مشرف نستعيده هنا، حتى وإن كان يبدو من المستحيل علينا أن نصدق أنه حقًا قد بات تاريخًا يُستعاد كذكرى، وربما كدرس أيضًا.