فى مقال الأسبوع الماضى أثرت السؤال التالى: ماذا لو زَهَقَ التشات چى پى تى؟ وكان سبب السؤال هو أننى ظللت ألّح على هذا التطبيق باستفساراتى عن الحالة الصحية لإحدى الصديقات، حتى وصَل معى إلى نقطة أسكتنى فيها من باب أن كله تمام ولا توجد ضرورة للاسترسال فى النقاش. أما مقال اليوم فإنه يثير سؤالاً آخر هو: ماذا لو فَبرَك التشات چى پى تي؟ بمعنى ماذا لو لم يجد هذا التطبيق معلومات عن الموضوع الذى يُسأَل فيه، فلا يرد بلا أدرى التى مَن يقولها يكون قد أفتى. لكنه يتطوّع بالتقاط خيط رفيع من الموضوع محّل السؤال ويبنى عليه إجابته. وتلك أمثلة لفبركة التشات چى پى تى.
• • •
المثال الأول من خبرة أحد الأصدقاء أراد امتحان التشات چى پى تى فإذا به يرسب بامتياز. ومع أن الامتياز يكون للنجاح لا للرسوب، لكن الوصف يشير إلى جدارة الرسوب. هذا الصديق لديه ولع بأغانى فيلم "ألمظ وعبده الحامولى" بطولة وردة الجزائرية وعادل مأمون، وبالتالى خطر له أن يسأل تشات چى پى تى عن الأغانى التى تغنّت بها وردة فى الفيلم. وجاءت إجابة التطبيق أن وردة غنت أغنيات لها طابع الطرب القديم على حد تعبيره، من أشهرها: حب إيه اللى انت جاى تقول عليه، ويا صلاة الزين، وإيه يا دنيا!!!! طبعّا كان الردّ عليه بأن هذه الأغنيات لا تمّت بصلة للفيلم، فالأغنية الأولى هى لأم كلثوم، والثانية لزكريا أحمد، والثالثة لحمادة سلطان (مدهش أن يحتفظ التشات چى پى تى بأغانى حمادة سلطان فعلى المستوى الشخصى لم أكن قد سمعت من قبل بأغنية إيه يا دنيا). اعترف التطبيق بخطأه، واستطرد قائلًا إن وردة غنّت فى الفيلم أغنيات مرتبطة بشخصية ألمظ، ومن أشهرها: أنا قلبى دليلى، والحلوة داير شباكها، وإمتى الهوى!!!
ردّ الصديق بأن الإجابة أيضًا خطأ وسأل التشات چى پى تى: انت مالك النهارده! وذلك لأن الأغانى الثلاثة لم يكن لها أى دخل بالفيلم، فالأغنية الأولى هى لليلى مراد، والثانية لمحرم فؤاد، والثالثة لأم كلثوم. مرة أخرى لم يخجل التشات چى پى تى من التصريح بأنه خلط بين الأفلام والأغانى وحاول تصحيح خطأه بقوله إن الأغانى التى غنّتها وردة الجزائرية كان (صحيحها كانت وليس كان) من أشهرها آه يا ليل يا قمر، وخليك هنا، ويا حبيبى روح!!!. رغم ذلك، لم يفقد الصديق صبره وقال للتطبيق إنه أخطأ مجددًا، ومعه حق، لأن الأغنية الأولى هى لمحمد رشدى، والثانية لوردة لكن ليست من أغنيات الفيلم، والثالثة لوائل كافورى. واضح إذن أن التشات چى پى تى قرر الالتفات لأغنيات المطربين العرب والتفتيش فيها، وهذا جيد جدًا لأن معناه أنه يتذوّق النغم الشرقى، لكن المشكلة تكمن فى أن فيلم ألمظ وعبده الحامولى عُرض فى عام ١٩٦٢ بينما أن وائل كافورى من مواليد السبعينيات، وبالتالى من الصعب أن يكون شارك فى الفيلم!! فبماذا ردّ التطبيق على التصحيح هذه المرة؟ قال: واضح إنى كنت برد (صحيحها بارد وليس برد) من الذاكرة واعتذر عن إجاباته السابقة، وهكذا قرّر الصديق أخيرًا أن يخبره بالإجابة الصحيحة وهى أغانى: اسأل دموع عينيا، وروحى وروحك، ويا نخلتين فى العلالى، فشكره التشات چى پى تى قائلًا له إن ذاكرته فى الحتة دى على حد تعبيره أقوى منه. لم ينته الموقف عند هذا الحد، فلقد أعجبتنى اللعبة وقررت تكرارها. سألت التطبيق نفس السؤال عن أغانى وردة فى فيلم "ألمظ وعبده الحامولي"، وكانت المفاجأة أن التشات چى پى تى تعلّم جزئيًا لا كليّا من أخطائه، أقصد أنه وضع يا نخلتين فى العلالى ضمن قائمة الأغنيات التى تمت تغذيته بها، لكنه أضاف لها أغانٍ أخرى بعضها لوردة ولا علاقة لها بالفيلم، وبعضها الآخر لسيد مكاوى ومحمد رشدى. عندما فكَرت فيما حدث وجدتُ أنه يصعب تفسير الإجابات الخاطئة للتشات چى پى تى إلا باعتبارها نوعًا من الفبركة، فلا يوجد ما يجمع بين الأغانى والتواريخ والمطربين والدول إلا حماسة التطبيق لأن يظهر أبو العُريّف. ويحضرنى هنا مشهد من فيلم "مراتى مدير عام"، عندما فبرك توفيق الدقن لزملائه- معلومات عن المدير العام الجديد فقال إنه سريع الغضب وسُكَرى، فلما اكتشف أن المدير الجديد ست مش راجل، لم تهتز له شعرة وقام بتأنيث المعلومات، فبدلًا من وصف المدير بأنه سريع الغضب وصف المديرة بأنها غضيبة السرع وبدلًا من وصف المدير بأنه سُكَرى وصف المديرة بأنها سُكَرية.
• • •
المثال الثانى مأخوذ من خبرتى الشخصية. فلقد طلبَت منّى إحدى الصديقات التى تكتب مذكراتها أن أساعدها فى التعرّف على أحد الواقفين إلى جوارها فى صورة يعود تاريخها إلى تسعينيات القرن الماضى. ومع أن الرجل كان "وشّه من النوع المألوف"، إلا إننى فشَلت تمامًا فى التعرّف عليه، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه. قرَرَت أن أعرض الصورة على التشات چى پى تى فأخَذت نسخة منها ووضعتها على التطبيق. سألت عن اسم الرجل الذى كان يقف إلى جوار صديقتى ومن خلفهما يافطة ضخمة مكتوب عليها الحزب الوطنى الديمقراطى، لكن لم يكن يظهر منها إلا وصف الديمقراطى فقط لا غير. كان بوسع التطبيق أن يقول إن اليافطة غير واضحة له، أو إنه لم يتعرّف على ملامح الشخص المطلوب، وهذا طبيعى. لكنه لم يفعل، بل ولم يتأخر عليّ فى الردّ، فماذا قال؟: الذى يظهر فى الصورة هو أحد أعضاء الحزب الديمقراطى الكردستانى (العراقي) الذى يتزعمّه الزعيم الكردى مسعود برزانى. ننننننعم! ما هذه اللخبطة العجيبة و"إيه اللى جاب القلعة جنب البحر" على رأى محمد سعد فى فيلم "عوكل"؟. وجد التشات چى پى تى كلمة الديمقراطى فلصقها فى أقرب حزب فكّر فيه، فالكلام عن الأكراد لا يتوقف داخل العراق وخارجه منذ عدة أشهر. وكان من الممكن أن يتطوّع التطبيق أيضًا بالقول إن اليافطة تشير إلى الحزب الديمقراطى فى الولايات المتحدة، أو الحزب الديمقراطى الحر فى ألمانيا، أو أى حزب ديمقراطى آخر والسلام، لكن هكذا اختار.
• • •
لا أحد يقلّل من أهمية التشات چى پى تى وكل تطبيقات الذكاء الاصطناعى التى تمثّل عونًا حقيقيًا للباحثين، فهذه التطبيقات أحدثَت ما يمكن وصفه بالثورة الكبيرة فى البحث عن المعلومات بأسرع الطرق وأقصرها. لكن فى الوقت نفسه فإن المثالين السابقين وهما من مجالين مختلفين تمامًا يحذران من خطورة الانسياق بدون تفكير وراء النتائج السهلة خصوصًا فى مجال البحث العلمى. أتذكر أيام البحث عن المعلومات فى المكتبة الوطنية بباريس وأنا أعدّ رسالة الماچستير عن «الصهيونية والقوى الضاغطة فى فرنسا» ومعاناتى مع صعوبات التصوير من الكتب الورقية القديمة وارتفاع نفقاته فى ثمانينيات القرن الماضى، وأقول كم هو محظوظ الجيل الجديد بالتيسيرات الكبيرة المتاحة له. لكن إذا كان جيلى بذل جهدًا فى تدقيق المعلومة وتوثيقها وقياسها على توجّه قائلها والسياق الذى يحيط بها، فما أحوج الجيل الجديد لذلك مع الذكاء الاصطناعى الذى يستنسخ الأصل ويعيد تشكيله على هواه.