بدأ فيلم أسد في جذب الجمهور إلى صالات العرض السينمائي، مع انطلاق عرضه في 13 مايو الجاري، وهو من بطولة: محمد رمضان ورزان الجمال وكامل الباشا وعلي قاسم وإسلام مبارك وإيمان يوسف، ومن تأليف محمد دياب وخالد دياب وشيرين دياب، وإخراج محمد دياب.
أحداث الفيلم تدور في الماضي -القرن التاسع عشر- حول طفل يتعرض للاختطاف ويباع في سوق لتجارة العبيد، ويشتريه شخص فينتقل للعيش في منزله وتظهر ملامح قصة حب بينه وبين ابنة صاحب المنزل (رزان الجمال)، لتتعاظم دوافعه نحو الحرية، وبين أجواء من الأكشن والمعارك، يبدأ رحلته في محاولة كسر النظام الاجتماعي والسياسي الذي يسعى لاستعباد هذه الفئة من البشر.
هذه السردية الدرامية ربما جديدة نوعا ما على السينما المصرية، فالحديث عن العبودية لم يكن أمرا متداولا بكثرة في الموضوعات الفنية المطروحة، إلا في سياقات درامية فرعية داخل عمل كامل، مثل فيلم شفيقة ومتولي، عام 1978، بينما يحاول فيلم أسد اقتحام هذه المنطقة، برؤية بصرية تسعى إلى جذب الجمهور وتحقيق الإبهار.
وفي تصريحاته قبل عرض الفيلم قال محمد دياب، إنه لا يُقدم فيلما تاريخيا توثيقيا، وهو تصريح يمكن فهمه بشكل واضح بعد مشاهدة العمل، الذي لا يهتم مطلقا بالدقة التاريخية، وهذه ليست مشكلة إذا قرر صناع العمل التأسيس لذلك من البداية، لكن ما فعله دياب كان العكس من تصريحه تماما، ففي بداية الفيلم كُتب التاريخ بشكل واضح (1840) والمكان مصر، هذه البداية أسست للمشاهد سياق (زمان/ مكان) أهلت المتفرج لِما سيشاهده فيما بعد، وهو تناقض واضح مع التصريح الذي خرج به قبل العرض.
كما يتناقض هذا التأسيس تماما مع اللغة والأسلوب الأدائي للممثلين خلال دراما الفيلم، التي تروي قصة تمرد عبد على أوضاع العبودية في المجتمع المصري، بنهاية القرن التاسع عشر، بدعم من ولي العهد.
تناقض الصورة والحوار يهدد تماسك العمل
ويشير الباحث كاظم مؤنس في بحثه "الإدراك المزدوج لثنائية الزمان والمكان في السينما"، إلى أن الصورة السينمائية تحقق وجودها من خلال "الاشتراك في الوجود الزمكاني داخل الإطار"، أي أن المتلقي لا يدرك المكان منفصلًا عن الزمن، بل يقرأهما كوحدة متكاملة تنتج الإحساس بالواقع، لذلك فإن أي عنصر يبدو منفصلًا عن هذا النسق، كطريقة الكلام أو المفردات أو الإيقاع التعبيري، قد يهدد تماسك العالم الدرامي نفسه، الذي حرص الصانع على بنائه منذ أول لحظة في العمل.
في أسد تبدو المعالجة البصرية حريصة على خلق فضاء تاريخي مقنع؛ الأسواق، البيوت، الملابس، والمعارك، كلها تحاول إعادة تشكيل مصر القرن التاسع عشر بوصفها فضاءً للقهر الطبقي والعبودية. لكن هذا التكوين البصري يصطدم أحيانًا مع استخدام لغة حوار ذات نبرة معاصرة، سواء في المفردات أو طريقة التعبير العاطفي والانفعالي ومن هذه المفردات: "هجص -العركة دارت" وغيرها، وطريقة معرفة ولي العهد بتصرفات أسد التي جاءت عن طريق قراءته لصحيفة الوقائع المصرية، التي لم تكن تنشر غير أوامر الوالي، وليس أخبار الجمهور من العامة أو العبيد.
هذا الأسلوب يتعامل مع كل مفردة في العمل كأنه داخل زمن حديث تنقل فيه الصحف أخبار الناس، وهو ما يخلق نوعًا من التناقض بين الزمان والمكان من جهة، واللغة بمستوياتها من جهة أخرى، فاللغة هنا لا تعمل بوصفها امتدادًا للزمكان التاريخي، بل تبدو أحيانًا منفصلة عنه، أقرب إلى روح المتلقي المعاصر منها إلى روح المرحلة التاريخية التي يدور فيها الحدث.
ويضعف هذا التناقض ما يسميه كاظم مؤنس "الإدراك المزدوج"، لأن المتلقي يصبح موزعًا بين صورة تاريخية تحاول إقناعه بالماضي، وخطاب لغوي يعيده إلى الحاضر، فالمكان التاريخي لا يُبنى بصريًا فقط، بل عبر شبكة من العلامات الثقافية، تشمل اللغة والإيماءات وطبيعة العلاقات الاجتماعية، والتي تشهد أيضا ظهورا غريبا للمرأة في السياق الاجتماعي على عكس الواقع تماما، فالنساء في تلك الفترة لم يكن لهن أي دور خارج المنزل، ومع ذلك تظهر شخصية رزان الجمال، فتاة تتحرك في السوق وتتواجد في الوكالة وتتدخل في قرارات والدها، ومن هنا تبدو هذه البُنى كاشفة لاختلال الانسجام داخل العالم الدرامي، إذ تُفقد المكان بعده التاريخي، وتحوّل الزمن إلى مجرد خلفية شكلية، هدفها الإبهار البصري فقط.
المكان ليس مجرد ديكور
المكان في الأعمال الفنية، وفقا لوصف الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر هو منتج اجتماعي وثقافي، وليس مجرد ديكور، بل بنية تنتجها القيم والعلاقات وأنماط التعبير الخاصة بالعصر، وبالتالي فإن استخدام خطاب لغوي حديث داخل فضاء ينتمي إلى القرن التاسع عشر يخلق نوعًا من "اللا تاريخية"، لأن اللغة تحمل وعيًا اجتماعيًا مختلفًا عن وعي المرحلة التي يسعى الفيلم إلى تمثيلها.
لذلك ينجح فيلم أسد بصريًا في الاقتراب من بناء عالم تاريخي يعبر عن مصر، كما ذُكر في بداية الفيلم، لكنه يواجه تحديًا في الحفاظ على الاتساق بين الزمان والمكان واللغة، وهو اتساق ضروري لإقناع المتلقي بصدقية العالم الدرامي، وتحقيق حالة التأثير والتأثر في المتلقي/ المتفرج.
ويشير إيهود ر. توليدانو، في كتابه "الرق وإلغاءه في الشرق الأوسط العثماني" إلى أن العبودية في الدولة العثمانية لم تكن مجرد علاقة قهر مباشر بل "جزءًا أساسيًا من شبكات الرعاية والسلطة"، وهو ما يكشف تعقيد البنية الاجتماعية المرتبطة بالرق في القرن التاسع عشر، مقارنة بالتصوير الميلودرامي الشديد والمباشر الذي يظهر به فيلم أسد.
العمل اهتم بالإبهار البصري على حساب البناء الدرامي
بالإضافة إلى ما سبق ذكره في جوهر بناء الفيلم، هناك بعض التفاصيل الأخرى التي تكشف عن اهتمام صُناعه عن كل ما هو بصري، على حساب كل ما هو متعلق ببناء الدراما، وأبرز ما في ذلك بداية العمل، التي تُكثف الأحداث بشدة حول علاقة الحب الأساسية التي تكون شرارة الأحداث، حتى لا نكاد نعرف كيف ولماذا تعلقت ليلى بأسد، ثم يشتعل الصراع، في المقابل يمنح الفيلم كثيرا من الوقت لمشاهد الدماء والقتل بشكل مبالغ فيه، بهدف خلق معارك ملحمية مبهرة بصريا، وهو هدف ليس سيئا في حد ذاته، بقدر أنه لا يجب أن يؤثر على تسلسل الأحداث وبناء أساسها.
وتقوم الموسيقى بدور رئيسي لإغراق المشاهد في الميلودراما والسعي الدائم لاستجداء دموع المتفرج، فهي لا تكاد تنقطع حتى تبدأ، في كل لحظة، عبر الدفوف وأصوات النحيب.
ورغم سعي الفيلم يسعى إلى تقديم رحلة تحرر فردية داخل مجتمع قائم على القهر، فإنه يتعامل مع هذه الرحلة بمنطق البطل الأسطوري أكثر من تعامله معها بوصفها نتاجًا لسياق اجتماعي وسياسي معقد. فأسد لا يبدو ابنًا حقيقيًا للعالم الذي يعيش فيه، بقدر ما يبدو بطلا معاصرا أُسقط على الماضي، يحمل وعيا حديثا عن الحرية والتمرد والعدالة، وهو ما يعمق من أزمة "اللاتاريخية" التي تحيط بالفيلم، فالشخصيات لا تتحرك داخل شروط القرن التاسع عشر، بل داخل تصورات درامية معاصرة عن البطولة الفردية والانتصار على السلطة، وهي تصورات أقرب إلى أفلام الأكشن الحديثة منها إلى الدراما، وذلك جزء من مشكلة الفيلم الأساسية وهي لغة ومفردات الشخصيات داخل السياق المُحدد سابقا.
كما أن الفيلم لا يقترب من تعقيدات النظام الاجتماعي الذي كانت تتحرك داخله هذه المؤسسة تاريخيا، فالرق في مصر كان مختلفا عن التصور الهوليوودي للعوبدية، والذي يقسم الناس بناء على لون البشرة، أبيض/ أسود، بينما النظام في مصر كان مختلفا، حيث كانت الطبقة الاجتماعية والأصل ( فلاح/ ذو سلسال تركي) يفصلان في ذلك وليس لون البشرة فقط، كما تتحول الشخصيات إلى نماذج حادة؛ السيد القاسي، والعبد المقهور، والحبيبة الداعمة، وهو مثلث درامي مُبسط للصراع بشكل كبير.
وبينما كان يمكن للفيلم الاستفادة من الخلفية التاريخية الثرية لفكرة الرق في مصر العثمانية، فإنه اختار الطريق الأسهل، أي الاعتماد على الصدامات الجسدية والمواجهات المباشرة وتناثر الدماء يمينا ويسارا، بدلا من بناء توتر اجتماعي ونفسي أكثر عمقا؛ ما جعل كثيرا من التحولات الدرامية داخل الفيلم سريعة وغير مؤسسة بشكل كافٍ، إذ ينتقل الأبطال من حالة إلى أخرى دون تمهيد درامي حقيقي، لأن الفيلم منشغل طوال الوقت بالحفاظ على إيقاعه البصري السريع، وحتى لحظات الألم الإنساني والخسارة تُدفع أحيانا نحو المبالغة الانفعالية، عبر الموسيقى المرتفعة واللقطات البطيئة والتأكيد المستمر على مشاعر الحزن والغضب، وكأن العمل لا يثق بقدرة الصورة أو الأداء وحدهما على نقل التأثير.
لا يمكن إنكار أن فيلم أسد يمتلك طموحا بصريا واضحا، ومحاولة نادرة داخل السينما المصرية لخوض منطقة درامية غير مطروقة بكثرة، تتعلق بتاريخ العبودية والصراع الطبقي في القرن التاسع عشر، كما أن تصميم المعارك والديكورات والملابس يكشف عن مجهود إنتاجي كبير، ومجهود تمثيلي واضح خاصة من محمد رمضان وعلي قاسم، ورغبة في تقديم فيلم ملحمي قادر على المنافسة جماهيريا لكن أزمة الفيلم الأساسية تكمن في أن هذا الطموح البصري لم يصاحبه بالقدر نفسه اهتمام ببناء عالم درامي متماسك تاريخيا وثقافيا.