جبال أحلام الثراء والصراع فى الجنوب.. «الشروق» ترصد تمدد التنقيب غير المشروع عن الذهب - بوابة الشروق
الجمعة 15 مايو 2026 5:43 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

جبال أحلام الثراء والصراع فى الجنوب.. «الشروق» ترصد تمدد التنقيب غير المشروع عن الذهب

حمادة عاشور
نشر في: الخميس 14 مايو 2026 - 7:14 م | آخر تحديث: الخميس 14 مايو 2026 - 7:15 م


- مقتل 8 أشخاص فى أم الحويطات بسبب الصراع على خام المعدن النفيس
- أرباح تصل إلى 3 ملايين جنيه أسبوعيًا تشعل التنافس بين مجموعات مسلحة
- حملات أمنية موسعة لتعقب المتورطين ومداهمة مواقع التعدين غير الشرعى
- عمالة سودانية وطواحين غير مرخصة تغذى اقتصاد الذهب الموازى
- دعوات برلمانية لتقنين التعدين الأهلى وإخضاع الطواحين لرقابة الدولة
- «شعبة الذهب»: لا توجد بيانات عن حجم الذهب المتداول خارج الإطار الرسمى



تحولت المناطق الجبلية الممتدة بين محافظتى قنا والبحر الأحمر، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أكثر البؤر سخونة، بسبب التنقيب غير المشروع عن الذهب، فى ظاهرة متنامية يطلق عليها محليًا اسم «الدهابة».
ومع اتساع رقعة النشاط غير القانونى، وتزايد أعداد المنقبين الساعين وراء، وهم الثراء السريع، تتصاعد كلفة الفوضى والصدامات المسلحة، التى كان أحدثها، قبل أيام، حادث منطقة «أم الحويطات» نهاية أبريل الماضى، فى محافظة البحر الأحمر.
فى موقع جبلى وعر، أقدم أحد المتهمين، ويُدعى «رشيدي»، بمساعدة آخرين، وفق روايات الأهالى وبيان وزارة الداخلية، على إطلاق النار على عدد من العمال أثناء نومهم داخل موقع للتنقيب، بهدف الاستيلاء على خامات يُعتقد احتواؤها على نسب من الذهب، ما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة آخرين، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبط المتهم الرئيسى والسلاح المستخدم.

تمشيط أمنى وملاحقة البؤر الساخنة
قال مصدر أمنى لـ«الشروق» إن قوات الشرطة، مدعومة بمجموعات قتالية، تواصل عمليات تمشيط موسعة فى محيط الحادث ومناطق متفرقة من صحراء البحر الأحمر، بحثًا عن متهمين آخرين يُشتبه فى تورطهم، إلى جانب ملاحقة المنقبين غير الشرعيين وضبط مواقع التعدين العشوائى المنتشرة داخل الوديان الجبلية الوعرة.
وأوضح أن الحملات تستهدف كذلك تعقب خطوط الإمداد اللوجستى، وضبط المعدات المستخدمة فى عمليات الحفر والطحن، فى إطار تحركات أوسع لفتح ملف «الدهابة» وإعادة فرض السيطرة على المناطق الصحراوية.

اقتصاد موازٍ
داخل هذه الجبال، يتشكل اقتصاد موازٍ معقد، إذ يقول أحد الأهالى بقرية الأشراف بمركز قنا، والذى رفض ذكر اسمه: «الجبال لم تعد مجرد صحراء، بل خريطة مقسمة بين مجموعات خارجة عن القانون، كل مجموعة تسيطر على نطاق محدد بحثًا عن عروق الذهب».
ويضيف أن العاملين يعيشون فى ظروف قاسية داخل خيام بدائية لفترات طويلة، يعتمدون على مؤن بسيطة من المعلبات والجبن والمياه، فيما تُستخدم مولدات كهرباء لتشغيل المعدات المستخدمة فى التكسير، وبعد استخراج الصخور الحاملة للذهب تُنقل إلى طواحين لاستخلاص المعدن الثمين.
ويشير أحمد.ع، من قرية البراهمة بقفط إلى أن خبرات واسعة فى هذا المجال تعود إلى العمالة السودانية، موضحًا أن جذور ظاهرة التنقيب عن الذهب تعود إلى نحو عام 2005 فى صحراء إدفو وكوم أمبو بأسوان، قبل أن تتسع رقعتها تدريجيًا، وتمتد حتى أصبح وادى عبادى بأسوان يضم حاليًا أكبر عمليات التنقيب.
ويضيف خ. س، أحد العاملين السابقين فى التنقيب من مركز قوص، أن العمل يقوم على تقسيم غير رسمى للعوائد، إذ تحصل المجموعات التى تمتلك أجهزة متخصصة على ثلث الإنتاج، زاعمًا أن غالبية هذه المجموعات سودانية، بينما يتقاضى باقى العمال أجورًا يومية تصل إلى نحو 1200 جنيه للعامل.
وأضاف أن الظاهرة شهدت توسعًا ملحوظًا خلال جائحة كورونا، بعد انتقال عمالة من قطاع السياحة إلى الصحراء، مشيرًا إلى تمركز مجموعات من السودانيين حاليًا فى مناطق مثل قرى الأشراف وقفط وحجازة بقوص، وأن عمليات الاستخلاص تتم عبر طواحين غير مرخصة منتشرة بأعداد كبيرة فى هذه المناطق.

أرباح بالملايين وصراعات على النفوذ
وأكد أحمد الهوارى، أحد سكان قرية الأشراف، أن الحوادث داخل مناطق التنقيب ليست جديدة، مشيرًا إلى أن بعضها لا يتم رصده، خاصة فى ظل وجود عناصر كثيرة خارجة عن القانون، موضحًا أن الحادث الأخير استهدف فريقًا تابعًا لشركة تمتلك معدات متقدمة، بينهم 5 أقارب، بعد وصولهم إلى عروق ذهب واعدة تحتوى على كميات كبيرة من الذهب.
وأشار إلى أن كل مجموعة تسيطر على نطاق جغرافى محدد، وأن المواقع الغنية قد تحقق أرباحًا أسبوعية تتراوح بين 2 و3 ملايين جنيه بعد خصم التكاليف، وهو ما يفسر شدة التنافس والصراع.

شبكة إمداد وتنظيم غير رسمى
ويقول أحد المقاولين، رفض ذكر اسمه، إن بعض العاملين يستأجرون معدات من شركات متخصصة، بينما تنطلق العمليات من أسوان مستفيدة من خبرات العمالة السودانية.
وتتركز بؤر النشاط فى الفواخير بالقصير وأم الحويطات بسفاجا، لافتًا إلى أن الإمدادات تنقل عبر سيارات دفع رباعى فى أوقات متأخرة وعلى فترات متباعدة لتفادى الرصد.
وقال إبراهيم ح، أحد العاملين فى مجال التنقيب عن الذهب إن جزءًا من الخام المستخرج من المناطق الجبلية، بعد الانتهاء من عمليات التكسير والطحن، يجد طريقه إلى بعض ورش صياغة الذهب، ويُباع بأسعار تقل عن السعر الرسمى المتداول فى السوق، وهو ما يدفع بعض التجار إلى شرائه للاستفادة من فارق السعر.
وأضاف أن الوصول إلى الذهب يمر بمراحل شاقة تبدأ بالتنقيب داخل المناطق الجبلية الوعرة، ثم استخراج الخام وطحنه داخل الطواحين، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العاملين يقبلون على هذه المخاطرة أملًا فى تحقيق دخل سريع، رغم ما تحمله المهنة من مخاطر أمنية وصحية كبيرة.

أبعاد أمنية واقتصادية واجتماعية للظاهرة
وقال مصدر مسئول بديوان محافظة قنا، إن ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الذهب تحولت إلى ملف خطير له أبعاد أمنية واقتصادية واجتماعية، لذلك هناك تحركات جارية من قبل الأجهزة التنفيذية لحصر مناطق النشاط غير القانونى وتشديد الرقابة على الطرق الصحراوية.
وأضاف: الدولة تدرك خطورة هذا الملف إذا ترك دون تنظيم، والحادث الأخير يمثل جرس إنذار يتطلب إعادة تقييم شاملة لآليات التعامل مع هذه الظاهرة بإجراءات أكثر صرامة، بالتوازى مع دراسة بدائل تنموية.
من جانبه، قال أحمد محمد أبوالحسن، عضو شعبة المشغولات والمجوهرات بالغرفة التجارية بقنا، إنه لا توجد بيانات دقيقة أو إحصاءات موثقة بشأن الذهب المستخرج بشكل غير رسمى، مؤكدًا أن أغلب التقديرات المتداولة تظل غير رسمية فى ظل غياب منظومة واضحة لحصر تلك الكميات.
وأوضح أن جزءًا من الذهب المستخرج من الجبال يتم تسويقه عبر بعض محال الذهب، لافتًا إلى أن المحال الموجودة فى القرى والمناطق البعيدة عن دوائر الرقابة تكون أكثر تعاملًا مع هذا النوع من الذهب مقارنة بالمحال داخل المدن.
وأشار إلى أن غالبية العاملين فى التنقيب العشوائى ينتمون إلى فئات بسيطة ومحدودة التعليم، ما يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر والاستغلال، مطالبًا بوضع إطار قانونى ينظم هذا النشاط ويُخضعه لرقابة الدولة، بما يسمح بدمج العوائد الناتجة عنه داخل الاقتصاد الرسمى.

القانون هو الحل
على الجانب القانونى، قالت رجاء عبده، محامية المجنى عليهم الخمسة من أبناء قبيلة الأشراف، والتى تواصلت معها «الشروق» بمحافظة البحر الأحمر، إن الضحايا كانوا يعملون خفراء لصالح إحدى شركات التنقيب الرسمية، وعثروا على عرق كوارتز يحمل مؤشرات لوجود ذهب وألماس، ما دفع آخرين لمحاولة الاستيلاء عليه.
وأضافت أنه تم ضبط 3 متهمين جدد، إلى جانب متهمين سابقين، مشيرة إلى أن هدف المتهمين فى الواقعة كان صاحب الموقع، لكن وجود العمال فقط غيّر مسار الجريمة، مطالبة بتطبيق القانون ووضع عمليات التنقيب تحت رقابة الدولة للسيطرة على هذه الثروات.

دعوات للتقنين
بدوره، أكد البرلمانى السابق عن دائرة قوص أشرف أبو الفضل، أن مناطق البحر الأحمر وأسوان تشهد تدفقًا واسعًا للمنقبين، مشيرًا إلى مطالباته السابقة بتقنين النشاط من خلال التعدين الأهلى المنظم تحت إشراف هيئة الثروة المعدنية، باعتباره الحل الأمثل مقارنة بالتنقيب العشوائى الذى يصعب ضبطه.
وأشار إلى اتجاه الدولة حاليًا لإنشاء مجمعات لطواحين الذهب، منها مشروع لشركة «إيمكس» على مساحة 400 فدان بمركز قوص، بهدف إخضاع عمليات الطحن للرقابة ومنع التنقيب العشوائى، مؤكدًا ضرورة التحرك السريع للحد من الحوادث الناتجة عن الأطماع والصراعات بين المنقبين.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك