ناجحون من الخارج وخائفون من الداخل.. كيف تصنع التربية القاسية قلق المتفوقين؟ - بوابة الشروق
الجمعة 15 مايو 2026 8:46 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ناجحون من الخارج وخائفون من الداخل.. كيف تصنع التربية القاسية قلق المتفوقين؟

سلمي محمد مراد
نشر في: الجمعة 15 مايو 2026 - 5:17 م | آخر تحديث: الجمعة 15 مايو 2026 - 5:17 م

تبدأ الطفولة من البيت وسنوات الدراسة الأولى، وتنشأ وتكبر مع الإنسان داخل قلبه وعقله، حتى تصل إلى طريقة تفكيره وعلاقاته واختياراته المصيرية في الدراسة والعمل والزواج.

لكن مع التربية القاسية أو الصارمة، قد ينشأ أشخاص ناجحون من الخارج، لكنهم يحملون في داخلهم مشاعر خوف وقلق وغيرها من المشاعر السلبية الأخرى.

وفي هذا التقرير، نوضح آثار التربية القاسية على الإنسان واختياراته وقراراته المستقبلية، من خلال الاستعانة بالدكتورة يارا فهمي سالم، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري المعتمد من وزارة الصحة، والمشرف العام على فرع المجلس القومي للطفولة والأمومة بمحافظة كفر الشيخ، وعضو صندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر.

فرق كبير بين الحزم والقسوة

توضح الدكتورة يارا، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن الطفل في البيئة التي تتضمن القسوة يكبر وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بإرضاء الآخرين، وليست مرتبطة بذاته، موضحة أن التربية القاسية تشمل أشكالًا متعددة تتمثل في الإهانة المستمرة، والتخويف، والتقليل من المشاعر، وربط الحب بالطاعة أو الإنجاز، فضلًا عن العقاب والصراخ.

وتضيف أن الإهمال النفسي للطفل، حتى لو كانت احتياجاته المادية متوفرة، قد يكون أكثر خفاءً، لكنه لا يقل خطورة، ويتمثل في غياب الاحتواء والاهتمام العاطفي، بحيث لا يشعر الطفل بأنه مسموع أو مفهوم أو آمن نفسيًا.

كما تؤكد أن الحزم يبني شخصية مستقرة، بينما تؤدي القسوة إلى خلق اضطراب داخلي قد يستمر لسنوات طويلة.

وتلفت إلى أن هناك فارقًا واضحًا بين التربية الصارمة والتربية المؤذية نفسيًا، موضحة أن الحزم الصحي يقوم على وجود قواعد وحدود واضحة مع الاحترام والحوار والدعم، مما يجعل الطفل يشعر بأن والديه مصدر أمان رغم الحزم، بينما تعتمد التربية المؤذية على الترهيب أو الإهانة أو السيطرة والتقليل المستمر من الطفل، مما يجعله ينشأ خائفًا أو فاقدًا للثقة بنفسه، حتى وإن بدا مطيعًا أمام الآخرين.

كيف تؤثر التربية على المستقبل والدراسة والعمل؟

وتشير فهمي إلى أن آثار تلك الأساليب قد تظهر بشكل مبكر في صورة خوف زائد أو عناد أو انطواء وضعف ثقة بالنفس، وتمتد في كثير من الأحيان إلى سنوات المراهقة والرشد، خاصة في العلاقات والعمل واتخاذ القرارات.

وقد يعاني الشخص لاحقًا من مجموعة تأثيرات نفسية، أبرزها: القلق والتوتر المستمر، والخوف من الخطأ أو الرفض، والحساسية المفرطة تجاه النقد، وصعوبة التعبير عن المشاعر، وجلد الذات والشعور الدائم بعدم الكفاية، والدخول في علاقات مؤذية أو التعلق الزائد بالآخرين، إلى جانب نجاح ظاهري ومعاناة داخلية.

ولفتت أيضًا إلى أن بعض الأشخاص قد يحققون نجاحًا دراسيًا أو مهنيًا كبيرًا، بينما يعانون في داخلهم من ضغط نفسي دائم وشعور مستمر بعدم الرضا عن أنفسهم، موضحة أن بعض من تعرضوا لتربية قاسية يحولون النجاح إلى وسيلة للحصول على القبول أو الحب الذي افتقدوه في طفولتهم، لذلك قد يبدو الشخص ناجحًا أمام الجميع، رغم أنه يعيش داخليًا حالة من القلق أو الإرهاق النفسي أو الخوف الدائم من الفشل.

كما تشير إلى أن التربية القاسية قد تدفع الشخص لاختيار تخصص دراسي أو وظيفة بهدف إرضاء الأسرة أو تجنب الانتقاد، وليس بناءً على ميوله الحقيقية.

وتتابع أن الطفل الذي تربى على الخوف من الخطأ قد يميل إلى اختيارات آمنة خوفًا من الفشل، حتى وإن كانت لا تناسب شخصيته أو أحلامه، بينما يفقد آخرون الثقة بقدراتهم تمامًا، فيتراجع طموحهم أو يخشون خوض تجارب جديدة.

علامات تكشف استمرار التأثر النفسي

وتؤكد استشاري الصحة النفسية أن أخطر ما تفعله التربية المؤذية نفسيًا هو أن الطفل، مع الوقت، يتبنى الصوت القاسي الذي كان يسمعه باستمرار، فيتحول النقد الخارجي إلى حوار داخلي دائم، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأشخاص يعيشون مع أفكار متكررة مثل: "أنا مقصر"، و"أنا فاشل"، و"لازم أكون أفضل طوال الوقت"، وقد يؤدي هذا النمط إلى القلق المزمن أو الشعور المستمر بالذنب أو جلد الذات، وصعوبة الشعور بالراحة حتى في لحظات النجاح.

وتوضح أنه توجد علامات قد تشير إلى أن الشخص لا يزال متأثرًا بطريقة تربيته، من أبرزها: الخوف الشديد من إغضاب الآخرين، والاعتذار المستمر دون سبب واضح، وصعوبة وضع حدود صحية في العلاقات، والحاجة الدائمة للتقدير الخارجي، والقلق المبالغ فيه من الفشل أو النقد، والشعور بعدم استحقاق الحب أو النجاح، والقسوة الزائدة على النفس وعدم تقبل الأخطاء الطبيعية.

هل يمكن التعافي؟

لكنها تؤكد أن آثار التربية المؤذية لا تحكم على مستقبل الإنسان بشكل نهائي، وأن الوعي بالمشكلة يمثل خطوة أساسية في التعافي.

وتنصح بضرورة التوقف عن المقارنة المستمرة بالآخرين، وتعلم وضع حدود صحية دون شعور بالذنب، والانتباه لطريقة الحديث مع النفس، واستبدال النقد القاسي بلغة أكثر رحمة واتزانًا، مشددة على أهمية اللجوء إلى الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة، لأن العلاج النفسي يساعد الإنسان على فهم جذور مشاعره وبناء صورة صحية ومتوازنة عن ذاته.

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الإنسان ليس أسيرًا لتجارب طفولته، وأن العلاقات الصحية والدعم النفسي والوعي يمكن أن تساعد على استعادة الاتزان النفسي وبناء حياة أكثر استقرارًا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك