محمد المخزنجي يكتب: من حكايات العنبر الوَرَّاني - بوابة الشروق
الجمعة 15 مايو 2026 8:45 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

محمد المخزنجي يكتب: من حكايات العنبر الوَرَّاني


نشر في: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:24 م | آخر تحديث: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:24 م

عندما تلقيت من الصديق العزيز الأستاذ الدكتور محمد المهدي دعوة للتحدث في إحدى جلسات المؤتمر السنوي للجمعية المصرية للطب النفسي، وافقت بترحيب أثار دهشة أسرتي، كوني لسنوات مكثت أعتذر عن دعوات للمشاركة في فعاليات ثقافية داخل مصر وفي بلدان عربية وأوروبية؛ لأن قبولي تلبية أي دعوة من تلك يعني أن أضع نفسي تحت وطأة توتر شديد في الإعداد لما سأقوله، فأُحمِّل طبيعتي النفسية الأميَل إلى البعد عن أي تزاحم عبئًا مُنهكًا لم أعد أحتمله. ولتبرير موافقتي، قلت إنه: الحنين!

نعم.. الحنين إلى سياق أربعة عشر عامًا عشتها طبيبًا نفسيًا شغوفًا ومتفانيًا ومبتكرًا في هذا التخصص الطبي الهائل، هول مقارنة «النفس البشرية» بأي عضو مرموق من أعضاء الجسد البشري، يمكن التماسه بالجَس والتسمُّع، والتحاليل، وتقنيات المناظير والتصوير الحديثة الباهظة، فالنفس.. هذا المكون من وجودنا الحي، حالة استثنائية تمثل التجليات اللامادية (روحية ووجدانية ومزاجية وفكرية) لمادة جسد الإنسان. ومن ثمّ، أرى أن الطب النفسي هو أهْوَل تخصصات الطب، أفخر به، وأغار عليه، أفرح بأي تألقات له، وآسى لأي ابتذال يصيبه. وكان لديّ ثأر مُبيَّت مع ابتذال قادم من وراء البحار!

في جلسة بالمؤتمر مساء الخميس 16 أبريل الفائت، ألقيت كلمتي المعنونة: «حاجتنا الماسة لاستلهام الأدب في مواجهة ماكدونالد الطب النفسي»، مشيرًا بوضوح إلى «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية» (DSM-5-TR)، الصادرة نسخته الأخيرة عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، فهو يكاد يطبق شعار تلك المطاعم الأمريكية بـ: «تشخيص سهل ونتائج سريعة!» إذ ينتفخ بنحو 300 تشخيص لاضطرابات نفسية، تكاد لا تترك سويًا على هذا الكوكب، لأغراض لا تخلو من شبهات أشار إليها شرفاء من علماء وأطباء نفس أمريكيين وأوروبيين. فهي تطيح بتاريخ عميق من تأمل الحكماء والأدباء وبعض علماء النفس والأطباء النفسيين فيما تنطوي عليه أعراض وندوب المعاناة النفسية من حكايا، واستخراجها يتيح فهمًا إنسانيًا أعمق لما وراء انهيارات النفس، ويُفسِح قدرًا من التعافي النفسي في كثير من الحالات، عبر البوح وإدراك ما تتضمنه الحكاية من كشف ومعنى. وبذلك يتوسع مفهوم «تعدُّد السوية»، فليس كل من يعاني نفسيًا يُدمَغ بأنه مريض نفسي.

عدت من المؤتمر مُنهكًا جسديًا جراء الجهد العصبي الذي أبذله في مثل هذه الفعاليات، لكنني معنويًا وعاطفيًا كنت أطير، محلقًا في أجواء عملي طبيبًا نفسيًا منذ خمسة وثلاثين عامًا. ودبَّت في جسدي عافية لأنبش أوراقي بحثًا عما دونته في مشروع قصصي عنونته «حكايات العنبر الورَّاني»، إشارة إلى أول قسم داخلي للأمراض النفسية بمستشفى المنصورة العام، كنت أحد اثنين من أول العاملين به، مع صديق العمر والشقاوة المدرسية وحب القراءة والضحك، الراحل الحبيب د. حمدي شكري ياسين.

وقد كان هذا القسم «ورَّانيًا» بالفعل، بكل الظلال البائسة لكلمة «ورَّاني».. مدخله حفرة في جدار، والطريق إليه ممر مهجور يفتح على حوش مهجور، يواجه بضع درجات تصعد إلى القسم المكون من عنبر يتسع لعشرة أسرة خصصناها للنساء، وغرفتين إحداهما للطبيب المناوب، والثانية للتمريض، وفي ركن خارجي بُنيت غرفتا «عزل» للرجال المتهيجين أو فاقدي الاستبصار، حتى نتمكن من تهدئتهم ثم إرسالهم مع مرافق إلى مستشفى العباسية، أو الخانكة.

بهذا القسم «الورَّاني» الذي أُضيف إليه عنبر للرجال بعد عدة سنوات، عملت، بل عشت بكل جوارحي، عشرة أعوام كاملة، زاخرة برؤية البشر من داخلهم، ولأنني وزميلي الحبيب المرحوم د. حمدي شكري، كنا صنوين في كل شيء، وعاشقَين للطب النفسي والمعرفة، كانت لنا في هذه المساحة البائسة تجليات مهنية وإنسانية أعتقد أنها منحتني هدايا إحساس ورؤية فريدة للغاية، فبسطتها ــ وجدانيًا ــ على أماكن أخرى مارست فيها الطب النفسي لأربع سنوات مضافة..

مستشفيات: العباسية، والمعمورة، وبافلوف. كلها صارت عندي امتدادًا وتوسعة لذلك «العنبر الوراني»، الذي تسكنني أطياف نفوسه البشرية، تستصرخني أن أكتبها، فيخايلني لسنوات وسنوات مشروع «حكايات العنبر الوراني»، وأعود إليه وإن متأخرًا، فأبدأ بنشر هذه الأقاصيص الأربع منه، آملًا في المواصلة.

 

- أَخوُه

«إبراهيم؟! لماذا يبكي إبراهيم؟»

... إبراهيم الأحدب الضئيل، مائل الرأس، الذي يبدو مبتسمًا دائمًا، ضاحك الأسارير، ويُعدي بالضحك.. يُذكرني بمنظر جروٍ ضال، مبلول، متباعد العينين، وإحداهما مغرورقة دائمًا.

إبراهيم الذي يسرُّني أن يكون أول من يلقاني من النزلاء في طرقة القسم المعشبة، أو تحت الكافورة الكبيرة بأول الفناء، يدور باحثًا عن أعقاب السجائر أو أيما شيء يلتقطه. وما إن يراني، أو يرى أي إنسان، حتى يبادر بصوته المدقوق وهيئته الداعية إلى الابتسام والأسى والشفقة كلها:

ـ «إمتى أخويه يموت؟ أخويه ابن ... إمتى القطر يقطعه حتت.. حتت حتت؟»..

ـ وليه يا إبراهيم؟

ـ «علشان آخد جزمته اللميع.. والنضارة المراية والشراب والبدلة.. ألبسهم وأمشي على الكورنيش أشرب سجاير واتمزِّج».

أبتسم، وأمضي في طريقي تاركًا إبراهيم يبحث عن أعقابه، التي ما إن يعثر على أحدها حتى يتهلل فرحًا.. يقتعد طرف الدكة المنزوية في الطرقة كأسعد ما يكون الإنسان.. يُدخِّن بانبساط ويتحدث بحرارة ومرح، بجُمله المتقطعة وصوته المدقوق، مع أطيافه.. أصحابه الذين لا يراهم أحد سواه.

وهو ــ على طرف هذه الدكة ــ أراه اليوم وقد تكور على نفسه يبكي، وحوله بعض المرضى يواسونه مضطربين في ارتباك. فلماذا يبكي إبراهيم؟

أسأله:
«بتعيط ليه يا إبراهيم؟»

لا يجيبني إبراهيم، ويستمر في البكاء بعيني الجرو المبلول المتباعدتين، وقد فاضتا كلتاهما. لكن المرضى الآخرين الملتمين حوله تتداخل إجاباتهم:

ـ «أخوه مات».
ـ «مات».
ـ «أخو إبراهيم مات».

تصطخب أصواتهم وهم يتزاحمون من حوله، من حولنا، حتى تُقبِل الممرضة مناوبة الأمس في طريق انصرافها. أسألها معاتبًا عمَّن جاء لزيارة إبراهيم بالأمس؟ وكيف سمحت بنقل خبر كهذا إليه دون تهدئة؟!

وتجيبني مندهشة ــ شديدة الاندهاش ــ من السؤال، ومني:

ـ «لا حد جاله.. ولا حد كلمه».

أعجب.. وأتعجب من نفسي.. كيف نسيت أن إبراهيم لم نعرف له أبدًا إخوة، ولم نستدل له على قريب، أو بعيد، منذ جاءوا به من الشارع إلى القسم.

ويزيد عجبي أن يموت ــ بعد يومين ــ وبلا أي سبب طبي مفهوم: إبراهيم.. نفسه!


- تُريد أن تشرب

لماذا لم يلفت نظري ذلك من قبل؟ منذ عدة أيام وأنا أشاهدهم يفعلون الشيء نفسه: يخرجون من دورة مياه عنبرهم حاملين أواني مملوءة بالماء.. أكوابًا معدنية، وأطباقًا بلاستيك، وعلب زبادي، وأكياس حليب، وأكوازًا صدئة. وكما سرب من النمل يتجهون صوب الركن القصي عند غرفتي عزل المرضى المتهيجين، التي لم نستخدمها منذ شهور.

لابد أن هناك شيئًا ما يلفت انتباههم.. أناديهم، وأسألهم عنه..

يُقبلون ويحيطون بي في صخب مبتهج، بينما الماء الطامي يندلق من أوانيهم، إذ تهتز بين أياديهم وهم يضطربون من حولي، مُستثارين كأطفال فرحين ينبئون كبيرًا عن كنز وجدوه، صدفة، أثناء اللعب. يخبرونني أن لديهم «حاجات جميلة».. «جميلة جدًا» تريد أن تشرب! فأذهب وسط كوكبتهم البيضاء المصطخبة إلى حيث يقودونني.

نصل إلى دغل النجيل المستوحش والديس والغاب والنباتات البرية المحيطة بغرفتي العزل المهجورتين. يشقون تزاحم الديس والغاب ويزيحون تكاثف العشب، فيتبدَّى هنا وهناك، بشكل مفاجئ ومبهر، ثمار حقيقية عديدة لبطيخ كبير تلمع قشرته عميقة الاخضرار، وشمام أصفر يوشك أن يتفسخ من شدة النضج، وحبات طماطم وفيرة تتجلى حمرتها المتوهجة وسط الاخضرار.

ساءلت نفسي متعجبًا: كيف وصلت بذور هذه الثمار إلى هذا الركن المُعشب المهجور من الفناء؟ ورجَّحت أن أمهات وزوار قسم الأطفال في الطابق الثاني، الذي تطل إحدى شرفاته وبعض نوافذه على هذه الزاوية من فناء قسمنا، لابد كانوا يلقون ببذور ما يتناولونه من أعلى، فتسقط على الأرض. لكن، ما الذي حمل هذه البذور حتى تصل إلى مستقرها في هذه الزاوية المهجورة؟

فكرت، لعله مطر الشتاء الذي اعتدناه، كلما هطل ينتهي إلى التجمع في هذه الزاوية، لهذا تطاول فيها البوص والديس وتكاثف العشب! ولابد أن مياه ذلك المطر ظلت تجرف هذه البذور لتستقر في هذه الزاوية، ومن ثم تسوخ في التربة الرطبة وتخرج منها هذه الثمار في موسمها، وتواصل النمو في ارتياح، مستورة بدغل الديس والغاب والعشب، إلى أن اكتشف أمرها أحد أو بعض المرضى. وما أعجب أنهم لم يسارعوا بقطفها والتهامها كعامة الناس، بل حرسوها، وظلوا يسقونها بفرح.

كان منظر هذه الثمار التي نمت في خِباء هذا الدغل النباتي، وبرعاية هؤلاء المساكين، يُشكِّل لوحة خلابة لإرادة الحياة في البذور، وعلو الجمال في قطعة أرض برية اللون، يتألق عليها الاخضرار العميق لثمار البطيخ الناضجة، والأصفر المشرق لثمار الشمام الموحية بفرط الحلاوة، أما ثمار الطماطم فكانت تضج بحمرة نار عجيبة.. وديعة، لا تحرق!

- زيارة

غرفة الاستقبال ينتهي عندها الممشى الطويل بين الأشجار، الذي يبدأ بالبوابة الرئيسية للمصحة الكبيرة، وأنا الطبيب المناوب من بعد العصر حتى منتصف الليل. يوشك أن يمر النهار ولا أحد يجيء.. لكنني قُبيل الغروب أسمع ضجة صغيرة مقبلة من جهة العنابر، وأرى زميلي مناوب قسم النساء، ومعه ممرضة، وعاملة، وواحدة من المريضات تحمل لفافة في يدها اليسرى، وفي اليد اليمنى باقة من زهور «الوينكا» البنفسجية المتواضعة، أُرجِّح أنها قطفتها في طريقها من أحواض زهور الحديقة الأمامية قبالة مبنى الإدارة.

يبادرني زميلي بغمزة عين، ويرفع صوته، مشيرًا إلى المريضة، وهو يقول إن «نادية» ستحل ضيفة عليّ حتى تأتي زيارتها، فخطيبها سيأتي اليوم، وهي تحب أن تلقاه هنا كما عوَّدها دائمًا.

لا أجد لديّ مانعًا، برغم استغرابي لهذه الزيارة «المسائية»! ويلمح زميلي أمائر استغرابي، فينتحي بي جانبًا ويخبرني ــ همسًا ــ أنه يفعل ذلك استجابة لإلحاحها، حتى يجهض داخلها نوبة انهيار منذرة، فهي نزيلة المصحة منذ عشر سنوات، منذ قُتل خطيبها هذا، أو حبيبها.

فهمتُ، وطلبتُ من عاملة الاستقبال أن تضع لنادية مقعدًا في الخارج بجانب باب الاستقبال المفتوح، تطل على الممشى بين الأشجار وترى بوابة المصحة في نهاية الممشى.. تنتظر.

احتقن الغروب، ونادية مستكينة وديعة، تثبِّت نظرها على ممشى القادمين عبر البوابة. ثم حل المساء، فرفعت رأسها تتابع ميلاد النجوم المرتعشة في السماء البنفسجية. وعلى الأرض المعتمة لم يأت أحد.

ثم استقر الليل وتكاثفت الظلمة، وسمعتها تهمس وتضحك بفرح فتاة صغيرة. ثم صمتت، وطال صمتها، فاتصلت بزميلي مناوب قسم النساء ليرسل ممرضة أو عاملة تعود بها إلى العنبر.

حضرت ممرضة وعاملة لأخذ نادية، التي نهضت لتمضي معهما بوداعة، وبوداعة طلبَت منهما أن تُسلَّما عليّ قبل أن تمضي، ورأيتها تُقبِل نحوي مبتسمة خجلى. وضعت اللفافة وباقة الزهور أمامي على المكتب، وببقايا رقة شديدة ولطف فتاة كانت رائعة الجمال ــ لابد ــ من سنين خلت، راحت تُلحِف في الرجاء أن أقبل من «الزيارة» التي أحضرها لها خطيبها: برتقالة من البرتقالات الثلاث التي فضت عنها اللفافة، ومن باقة الزهور التي انتقاها.. زهرتين!

زهرتان من زهور «الوينكا» البنفسجية المتواضعة، مكثت أبحث لهما في هذا الليل عن كوب ماء أرشقهما فيه، لعلهما لا تذبلان سريعًا، وتمكثان نضرتين تؤنسان ليل مناوبتي تلك، التي تمنيت ألا تأتيني فيهما حالة هياج طارئة، تشوش أسى ذلك المساء في روحي.

 

- وأغرقناهم في النوم

هي التي خُيِّل إليّ أنها تعيش مُقعية أبدًا قرب البوابة، لا تأتي بحركة غير «تعظيم سلام» لكل من تراه يخرج أو يدخل. ولا تقول أكثر من: «إزَّى بيه»، أي: كيف حال البيه. تقولها لصغير أو كبير، ذكر أو أنثى.

هي نفسها أشاهدها في إحدى مناوباتي للسهر، منتصبة برغم حلول الليل تحت شجرة الصفصاف الواقعة داخل سور عنبر النساء. تأبى دخول العنبر للنوم، وتصر أن تبقى كما هي، تحرس الصغار النائمين على الشجرة!

يفعمني منظر العصافير النائمة على أفرع الصفصافة بمشاعر الأسى والهشاشة. الأسى والهشاشة تجاه العصافير التي لم تجد، بعد مذابح أشجار الجزوارين والبوانسيانا والكافور ــ صلبة الأغصان كلها ــ لم تجد غير الصفصافة لينة الأغصان تتزاحم عليها، بل تتعلق بها، لتبيت الليل.

لكن، لم يكن هناك مفر من دخول صاحبتنا للنوم، خشية انهيارها جسديًا أو تدهورها عقليًا. ولا بأس من بعض الإكراه، وحقنة مهدئة، إذ ينتابها الهياج جراء سحبها بعيدًا عن الشجرة، كما حدث عند أول محاولة لذلك!

يا للشجرة! ويا لعصافيرها! الشجرة التي أمضي مناوبتي ساهرًا بقربها.. أتأمل أغصانها اللينة المدلاة بثقل حشد العصافير النائمة المتشبثة بها. تَزاحُم يُبدي هذه العصافير كثمار بيضية توحي بنعومة الريش، وهشاشة الأجسام الضئيلة، وعمق فاجعة تقطيع الأشجار.

هذه العصافير المكدسة على شجرة الصفصاف الوحيدة الباقية من عشرات أشجار الشارع، تذكرني بصور خيام الإيواء المزدحمة بالمُدمَّرة منازلهم من البشر إثر حلول الكوارث، فأشرد مع إمعاني في منظرها الكاسر للقلب. وما ألبث حتى أستفيق على بقعة ضوء تعسعس بين الأغصان، وتكَّات خُردقات تنطلق؟!

أشاهد مطر التساقط الأبكم للعصافير المأخوذة بغتة من نومها المُشقى. وأهب فزعًا من مكاني منتويًا الزعيق في هؤلاء الصبية لإبعادهم، بزعم عدم إزعاج المرضى النائمين، حتى لا يستيقظوا في هياج.. هياج يخيفهم ويبعدهم إذ يعرفون أن هذه مستشفى «للمجانين».

أنتوي، وأوشك على الزعق، لكنني أبتلع انتوائي مستغربًا، إذ أرى ثلاثة رجال بشوارب وقامات مديدة، ينتصبون فوق السور ويتأهبون للقفز إلى الداخل لجمع ما أسقطوه من عصافير! وهم، إذ يبصرونني واقفًا لهم، يجمدون في أماكنهم فوق السور، فأجمد في مكاني على الأرض صامتًا، مستدعيًا ما هو شائع، من أن الشدة لم تعد تسمح لمن كانوا مستورين بأن يأكلوا لحومًا، فلجأوا إلى صيد العصافير.

أجمد صامتًا، ويتجمد الرجال فوق السور، وتتجمد في خاطري ــ للحظة ــ صورتها، صورة «إزَّى بيه» وقد أغرقناها في النوم.

الرسوم للفنان النمساوي Egon Schiele (1890 ــ 1918)، مات في الثامنة والعشرين مع زوجته بتأثير وباء الإنفلونزا الإسبانية. عاش حياة شقية بين السجن والفقر، لكنه ترك إرثًا هائلًا من تجليات المدرسة التعبيرية الأوروبية التي يُعتبر من أهم روادها، وبيعت إحدى لوحاته ــ مؤخرًا ــ بـ6 ملايين دولار!

وقد اختيرت هذه الرسوم، إذ تنطبق عليها خصيصة وجود «حكاية» وراء كل حِدّة خط، وتوتر لون، وهشاشة جسد، تمامًا كما دعوة الكاتب في المؤتمر إلى البحث عن الحكاية وراء كل عَرَض نفسي، فالبشر حكايات تخوض الحياة، لها أثر ومعنى، ولا يمكن إدراكها برقمنة واختزالية «الدليل التشخيصي الأمريكي في الطب النفسي»، بل بفن استنطاق الحكاية، والأدب والفن يُلهمان ذلك.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك