عن حكايات تحولت إلى سجل موازٍ لتاريخ مصر الاجتماعى والثقافى.. المقادير: حضور طاغ للمرأة بوصفها حارس للمعنى والذاكرة - بوابة الشروق
الجمعة 15 مايو 2026 11:03 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

عن حكايات تحولت إلى سجل موازٍ لتاريخ مصر الاجتماعى والثقافى.. المقادير: حضور طاغ للمرأة بوصفها حارس للمعنى والذاكرة

شيماء شناوى
نشر في: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:03 م | آخر تحديث: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:03 م

- «الحمصية» و«فتة الزبادى» و«كفتة الكوسة» ليست مجرد أكللات عابرة بل شفرة عاطفية تحفظ الذاكرة العائلية

فى متتاليتها القصصية «المقادير»، الصادرة عن دار الشروق، تنجح الكاتبة أميرة النشوقاتى فى بناء عالم سردى شديد الحميمية، تتجاور فيه الذاكرة مع الطعام، والحكايات مع الروائح، والنساء مع البيوت القديمة التى تبدو وكأنها كائنات حيّة تحفظ الأسرار وتقاوم الفقد. لا يقدم الكتاب مجرد قصص منفصلة، بقدر ما ينسج سيرة وجدانية لمصر القديمة عبر «مقادير» الحياة نفسها: الحب، والخسارة، واليقين، والبهجة، والخذلان.

ومنذ الإهداء الأول: «أهم حاجة تفتكرى إن أهم المقادير هو مقدار المحبة»، تضع الكاتبة مفتاح القراءة الحقيقى للنص؛ إذ يصبح الطعام لغة موازية للمشاعر، وتتحول الوصفات إلى وسيلة لفهم العالم ومقاومة قسوته. لذلك لا تبدو «الحمصية» أو «فتة الزبادى» أو «كفتة الكوسة» مجرد أكلات عابرة، بل شفرات عاطفية تحفظ الذاكرة العائلية وتعيد إنتاجها، وكأن المطبخ نفسه يتحول إلى أرشيف للمحبة والخسارات الصغيرة والدفء الإنسانى.

أكثر ما يميز الكتاب هو هذا الحضور الطاغى للمرأة المصرية بوصفها حارسة للمعنى والذاكرة. فـ«ستى بهية» ليست جدة عادية، بل شخصية شبه أسطورية تجمع بين التصوف والحكمة الشعبية والقدرة على ترميم العالم بالخيط والإبرة، كما بالطعام والحكايات: «ومثل يدها كان قلبها ماهرًا يعرف كيف يستقبل الحقائق ويزخرفها، ثم يبدر عليها الخرز فيباهى بها الخيال». هنا تكشف اللغة عن جوهر المشروع كله؛ فالحقيقة وحدها لا تكفى، بل يجب أن تمر عبر الخيال والمحبة حتى تصبح قابلة للحياة.

وتتفوق النشوقاتى فى تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مشاهد شعرية نابضة بالحواس. فصناعة الحمصية مثلًا تتحول إلى طقس روحى كامل: «ويصبح دوائر فى حجم الكف بيضاء مثل السحب التى تخفى فى قلبها دومًا شعاع الشمس». بهذه اللغة الحسية الدافئة تمنح الكاتبة النص مذاقه الخاص، وتجعل القارئ يرى ويشم ويلمس العالم السردى، لا يقرأه فقط.

كما ينجح الكتاب فى استدعاء مصر الشعبية والصوفية دون الوقوع فى فخ النوستالجيا الساذجة؛ فنجد المولد، والحضرة، والبيوت ذات الأبواب الفيروزية، كلها عناصر حاضرة، لكنها لا تظهر باعتبارها ديكورًا تراثيًّا، بل باعتبارها جزءًا من تشكيل الوعى والهوية والذاكرة الجمعية. وربما تبلغ المتتالية إحدى أكثر لحظاتها إنسانية ومرارة فى قصة «طنط منيرة»، حيث تعرض الكاتبة نموذج الفنانة التى دفعت ثمن موهبتها وحبها معًا، داخل مجتمع لا يغفر للمرأة استقلالها. الجملة التى تقولها الجدة: «لكن الرجال يفضلون أن يخوضوا حروبًا على أن يستمعوا إلى قلوبهم» تختصر مأساة القصة بأكملها؛ فالنص هنا لا يدين الرجل بقدر ما يكشف هشاشته وخوفه من الحرية والعاطفة.

أما فى قصة «أبلة أمينة» فتصل الكتابة إلى ذروة انحيازها للنساء المكبلات اجتماعيًّا، لكن دون خطاب مباشر أو شعارات جاهزة.

فالشخصية تواجه القهر بالحكى والغناء وصناعة البهجة والتحدى الناعم، لتعود الكاتبة إلى السؤال الذى طرحته أبلة أمينة قديمًا: «ألم يكن من باب أولى أن يبدأ قاسم أمين بتحرير الرجال؟». وهو سؤال شديد الذكاء يقلب التصورات التقليدية عن التحرر، ويكشف أن أزمة المجتمع لا تكمن فى النساء وحدهن، بل فى البنية الذكورية نفسها: «مخاوف الرجال لا نهائية.. هم خائفون من الخيانة والحب والحرية والتقاليد وكلام الناس، لكنهم يصرون على الخروج للعالم، وعلى بقائنا نحن فى المنزل بينما نحن لا نخشى شيئًا سوى مخاوفهم، عجايب».

وعبر فصول الكتاب الثمانية عشر، تواصل الكاتبة بناء عالمها السردى القائم على الذاكرة النسائية، حيث تتحول الحكايات الشخصية والعائلية إلى سجل موازٍ لتاريخ مصر الاجتماعى والثقافى. ولا تعتمد هذه المقاطع على الحدث التقليدى بقدر اعتمادها على التدفق الحكائى، وكأن الساردة تجمع شظايا العمر عبر أصوات النساء وروائح البيوت وشرفات المدن، لتصنع أرشيفًا حميميًّا يواجه النسيان.

وفى فصل «أنَّا وجدو» تتألق اللغة فى وصف حى العباسية باعتباره ذاكرة حيّة؛ فيصبح المكان شاهدًا على تعاقب الأجيال، ويغدو البيت مراقبًا للحب والفقد والموت والبدايات، وكأن لكل بيت روحًا خاصة به. ومن هنا يصل القارئ إلى أن الإرث الحقيقى الذى ورثته الساردة من نساء عائلتها ليس الأساطير وحدها، بل «حب الحياة»، وهى العبارة التى تختصر روح الفصل بأكمله. ثم تنتقل المتتالية إلى الصعيد، فيتغير الإيقاع دون أن تفقد اللغة دفأها. فالمنيا وأسيوط لا تُقدمان باعتبارهما هامشًا للقاهرة، بل باعتبارهما مركزًا آخر للحياة والجمال والمعرفة. وتتجنب الكاتبة النظرة الفولكلورية السطحية، فتجعل الصعيد فضاءً للإبداع النسائى والعمل الأهلى والفنون الشعبية.

ومن سير أنجيل، إلى الست دهبية نجمة الصعيد، والدكتورة هدى أول دكتورة مصرية فى علم المصريات، وسير أنجيل خفيفة الظل بشوشة الوجه، ود. ميليانا الطبيبة المحبة المخلصة للحضارة المصرية، تتشكل شبكة نسائية مذهلة من الشخصيات القادرة على إنتاج الجمال والمعرفة رغم القيود.

وتستثمر الكاتبة التراث المصرى القديم بذكاء داخل النص، سواء عبر حديث ميليانا عن اللغة المصرية القديمة، أو الربط بين الأولياء والآلهة، أو استدعاء طقوس الموالد والعذراء. وكل ذلك يُطرح دون مباشرة أو تنظير، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًّا لذاكرة المصريين. وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار الكتاب: أن الحضارة ليست آثارًا صامتة، بل عادات حيّة تسكن اللغة والناس والاحتفالات اليومية.

وفى النهاية، تبدو هذه الفصول احتفاءً واسعًا بالنساء اللاتى صنعن الحياة فى الظل، فالنساء هنا لسن شخصيات ثانوية، بل حافظات للمعرفة والروح والجمال والذاكرة، كما تنجح الكاتبة فى خلق نص شديد الثراء الحسى؛ نص يمكن أن ترى فيه الألوان، وتشم الروائح، وتسمع الموسيقى، وتلمس القماش، وكأن الحكاية تُعاش بالحواس كلها لا بالكلمات فقط.

تميل لغة الكتاب إلى الشاعرية، وهو ما يمنح النص روحه الخاصة؛ فالمتتالية لا تعتمد على الحبكة بقدر اعتمادها على المناخ والذاكرة والإيقاع الداخلى للحكى، لذلك تبدو القراءة أقرب إلى الإنصات لحكاية طويلة تُروى على مهل، داخل بيت قديم تفوح منه رائحة الطعام والحنين.

وفى المحصلة، تقدم «المقادير» نصًّا دافئًا يشبه البيوت القديمة التى تتسع للجميع، وكتاب يحتفى بالنساء بوصفهن حافظات الذاكرة، ويعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة التى تصنع الحياة، والأهم أن أميرة النشوقاتى تنجح فى تحويل «المقادير» من وصفات للطعام إلى وصفات للنجاة نفسها.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك