ماسك خيار - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2026 9:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟


ماسك خيار

نشر فى : الخميس 2 أبريل 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الخميس 2 أبريل 2026 - 7:35 م

من قبل أن نعرف أن هناك ماسكات لشّد الوجه وترطيبه وتقشيره وتفتيحه وتنعيمه و..و..و.. رأينا ونحن ما زلنا فى ابتدائى ماسك الخيار على وجه طنط ناولة. كنّا ندخل عليها وهى متمددة على فراشها الوثير وفوق عينينها دائرتان من الخيار بينما الوجه كله مغطّى بالزبادى. أول مرة رأيت فيها هذا المشهد فى مرحلة الطفولة تملكنى الفضول الشديد، ففى بيتنا كان الزبادى بالخيار هو من المقبّلات التى تقدّم إلى جانب بعض أنواع الأطعمة، أما أن يوضع فوق الوجه فهذا هو العجب العجاب. كنّا نأخذ وقتنا فى اللعب ساعة أو ساعتين، وعندما تأتى طنط ناولة لتطمئن علينا وتضيّفنا ببعض الحلوى اللذيذة كان وجهها ناصع البياض يبدو كوجه القمر. فى الحقيقة لم تكن هذه السيدة المبهرة فى حاجة إلى ماسك خيار ولا غير خيار، فلقد تحققَت فيها الوصفة المضمونة للجمال: الشعر فاحم السواد مع العينين الخضراويين. كثيرًا ما تردد فى داخلى سؤال حول السبب الذى يمنع أمى من أن تضع على وجهها هى الأخرى ماسك خيار، رغم أنها كانت من نفس عُمر وطبقة وتعليم طنط ناولة، لكنى لم أكن أجرؤ على طرحه على أمى، فلقد كانت من المؤمنين بنظرية إكسر للبنت ضلع يطلع لها اتنين، وبالتالى فإن مناقشة هذه الأمور كانت ستُعّد بالتأكيد بمثابة تجاوز للحدود.
• • •
عندما كبرتُ قليلًا بدأت أنظر للأمر بشكل مختلف، بمعنى أن ماسك الخيار كان بالتأكيد تعبيرًا عن اهتمام طنط ناولة بمظهرها وحبها للحياة وإقبالها عليها. لكنه فى الوقت نفسه بدا لى كما لو أنه كان محاولة لتحدّى واقع أجبرها وهى فى مقتبل عمرها على أن ترتبط بزوج ثرى يكبرها بسنين كمثل عمرها وربما أكثر منه. بتعبير آخر تخيلت أن الشخصية الحقيقية لهذه المرأة الجميلة هى تلك المتخفيّة وراء ماسك الخيار لأنه يعطيها وجها طببعيًا آخر غير الوجه المصطنع الذى تظهر به للناس مع زوجها الكهل المتسلّط. وَضْع الماسك يريح عضلات الوجه من تصنّع الابتسام والتفهّم والتعاطف وكل التعبيرات الأخرى المفتعلة التى كانت تضطر لتقمّصها كى تعيش فى دور الزوجة المحبّة والسعيدة أمام الناس. ربما كان هذا التفسير لا أساس له من الصحة، ولعله ينبع فقط من محاولتى التماس العذر لامرأة فى شرخ الشباب تمر بهذه التجربة الإنسانية القاسية، ولأننى لم أكن أحب أن أقسو عليها بمعاييرى الخاصة التى لا تتسامح مع هذه النوعية السيئة من الحياة. والتماس العذر لمن نحبهم أمر مقبول.
• • •
الغريب أن الماسك سوف يلازم وجه طنط ناولة طوال حياتها، وإن اختلف شكله وأسبابه. امتُحنت هذه المرأة قبل عدة سنوات بوفاة ابنتها البِكرية وأول فرحتها والتى أودعت فيها بعضًا من أجمل چيناتها الوراثية. فجأة وبدون مقدمات ذهبَت ابنتها/صديقتى إلى خالقها وهى فى زيارة خاطفة لآخر بلاد الدنيا، فكان وقع الصدمة على طنط ناولة مضاعفًا: صدمة الفراق المفاجئ لابنتها، وصدمة الملابسات التى أحاطت بهذا الفراق البعيد. ألّا تكون قادرًا على زيارة أحبائك الذين غادروا الحياة حين تشتاق إليهم أمر لا يتمناه المرء منّا لمخلوق، فبقدر ما تؤنس هذه الزيارة أحبابنا الراحلين فإنها تشعرنا -ولعل الأدق القول إنها توهمنا- بأننا لازلنا معهم وأن أى شئ بخلاف محّل إقامتهم لم يتغيّر. لم أقتنع أبدًا بأن قراءة الفاتحة تذهب لأصحابها دون حاجة لزيارتهم، فقراءة الفاتحة بالقرب من الأحباب لها وقع مختلف.. مختلف جدًا. عندما طرقتُ باب طنط ناولة لأعزيّها فى ابنتها/صديقتى، أحسستُ بكيانى كله يرتّج وأنا أراها تأكلنى بعينيها الخضراوين كأنها ترى فيّ تلك الغائبة عنها دون سابق إنذار. كانت فى سوادها أنيقة كعادتها، مستقيمة الظهر كما عرفتها، تقاوم مشاعر الانكسار والانهيار بشبه ابتسامة وترحيب مبالغ فيه. سألتني: تشربى إيه؟ يا الله.. هل هذا ماسك آخر يا حبيبتى تخفين به ضعفًا لا يليق بمَن هى مثلك؟ وأيهما أصدق إذن، هذا التسامى فوق الفاجعة الذى تبدين عليه أم هذه الدموع المترقرقة خلف الماسك؟ أجبتها: ولا حاجة. وما بين فتح باب شقتها الفخمة مرة لاستقبالى ومرة لوداعى كانت هناك طبقات من الصمت الثقيل.
• • •
أخبرتنى صديقة تعرَفت عليها من فترة قصيرة جدا أنها تعّد لى مفاجأة حلوة لا أتوقعها. وعلاقتى بالمفاجآت ليست جيدة فى العموم، فأنا من النوع الذى يحب التمهيد لكل شئ ولا يحسن التصرّف عند المفاجأة. لكن من باب اللياقة أبديتُ تشوُقًا لمعرفة المفاجأة خصوصًا أنها حلوة. ثم اتصلَت بى الصديقة فى ذات نهار لتخبرنى بأنها مع طنط ناولة وهى تريد رؤيتى. كمثل حال البطلة فى رواية "فوضى الحواس" لأحلام مستغانمى تداخل فى أعماقى ما هو حقيقى بما هو خيال، وما هو فرح بما هو رهبة، فلقد انقطعَت صلتى بأم صديقتى من ذلك اليوم الذى ذهبت فيه لأعزّيها. أخذتُ وقت دهشتى ثم انطلقت: طبعًا طبعًا هو انا اطول، وحددنا موعدًا للقاء. أخذ يشغلنى كيف سأبرر انقطاع صلتى بطنط ناولة طيلة كل هذه السنوات، سأقول لها إنى كنت أتابع أخبارها عن بُعد لأطمئن إلى أنها بخير.. تتردد على النادى الشهير بين وقت وآخر، وتُشاهَد وهى تجلس قرب ملعب الكروكيه مع قلة من صديقاتها، هذا كله صحيح إلا أنه لا يبرر الانقطاع، لكن ماذا نفعل مع الحياة التى تسحبنا إلى مساحات أقل ألفةً وأشخاص أبعد صلةً؟.
• • •
عندما زرتها كانت تجلس على الأريكة الأوبيسون وتسند ظهرها إلى باقة الزهور الشهيرة التى تزيّن هذا النوع من القماش. أعرف جيدًا هذا المكان وهذا الأثاث وكل هذه التحف والأنتيكات فأنا صاحبة مكان كما يقولون. اخترت بدء الحديث من اللحظة الأجمل التى شاهدتُ عليها هذه المرأة وهى تقاوم واقعها التعيس بماسك الخيار، قلت لها: لسه فاكرة حضرتك فى شقة المنيل وعلى وجهك ماسك خيار. ولسعادتى الغامرة ابتسمَت ابتسامة عريضة كانت كفيلة بكشكشة التجاعيد وسحبها إلى جانبى وجهها وأجابتنى برد لذيذ مثلها: ولسه باعمل ماسكات وحياتِك!!

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات