الكتابة كمان وكمان - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2026 8:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الكتابة كمان وكمان

نشر فى : الخميس 28 مايو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الخميس 28 مايو 2026 - 7:00 م

عندما أخرج يوسف شاهين فيلمًا بعنوان «إسكندرية كمان وكمان» بعد فيلمه «إسكندرية ليه»- فإنه فتح الطريق أمام الكثيرين ليفعلوا مثله أشياءً كثيرةً كمان وكمان. وهكذا بعد أن كتبت الأسبوع الماضى مقالًا عن أنواع مختلفة من الكتابة، وتوقفتُ بشكلٍ خاصٍ أمام الكتابة على الأوراق النقدية، رأيت أن أتناول اليوم المزيد من أنواع الكتابة بعد أن أعطانى بعض الأصدقاء أفكارًا جديدةً جديرةً بالتنويه لتكتمل الصورة عن حب العرب للكتابة.


• • •
لفتت انتباهى الصديقة العزيزة الكاتبة إنعام كچه چى إلى أن العرب يكتبون على جلودهم، وهذا صحيح. وعلى المستوى الشخصى ينطبع فى ذهنى مشهدان لا أنساهما عن الكتابة على الجلد. المشهد الأول من مطلع ثمانينيات القرن الماضى عندما كنت أشارك فى أعمال المراقبة على امتحانات طلاب كليّتى، وهى مهمة لا يحبها المعيدون الجدد لكن لا يمكنهم التهرّب منها أبدًا. مثل شرطى الدرك رحت أجوب خيمة الامتحانات المنصوبة خارج مبنى الكلية جيئةً وذهابًا لأتأكد من انتظام سير الامتحانات. الدنيا حر والمهمة مملّة، لكن تكفّل أحدهم بإدخال شئ من الإثارة على الموقف. وضع موظف الكلية المشارك فى المراقبة يده على ذراع طالب فى السنة الرابعة مكتوب عليه فقرة محترمة من إجابة أحد أسئلة الامتحان. وكان هذا الأمر معتادًا فى أيام الغشّ الوسطى "الجميل"عندما كانت وسائل الغشّ محدودة، وتتراوح مابين الكتابة بخط صغير لا يكاد يُرى على أوراق مطوية يُطلَق عليها براشيم والكتابة على الأكّف والسواعد والأرجُل لكن بدرجة أقل بسبب عاملّى الخطورة وضيق المساحة. كذلك كان الإملاء الشفوى من الطلاب الشُطّار موجودًا متى كانت هناك فرصة للهمس وتوفّر الاستعداد للمغامرة. المهم تم إلغاء امتحان الطالب فى هذا اليوم، أما ذهنى فلم يمسح الواقعة لأنها كانت المرة الأولى التى أتعرّض فيها لهذا الموقف بكل مشاعره المتضاربة ما بين الغيظ من الطالب والإشفاق عليه. لاحقًا سوف تجرى مياه كثيرة من تحت الجسور وسوف تلهو بنا الحياة وتسخر كما يقول چورچ جرداق لنتعرّف على وسائل للغش لا أول لها ولا آخر- أشهرها ولاشك الغش بالموبايل، وهذا باب مفتوح على العجب العجاب. أما المشهد الثانى الذى لا أنساه فهو مشهد رشدى أباظة من فيلم "تمرحنة" عندما فضّلت عليه حبيبته نعيمة عاكف الشاب الوجيه ابن الذوات أحمد رمزى، فقرر أن يمحو اسمها وصورتها المرسومة على صدره بماء النار. ولأننا كنّا فى شبابنا مهووسون برشدى أباظة فتى الشاشة الأول فإن معالم الألم الشديد المرتسمة على وجهه بينما يزيل اسم وصورة تمرحنة وهى ترتدى بدلة الرقص ويهرب بجلده حرفيّا من ذكراها -عصرَت قلوبنا عصرًا وجعَلتنا نسخط على نعيمة عاكف التى لم تكن تقدّر النعمة. لكن المخرج حسين فوزى طيّب خاطرنا فى نهاية الفيلم، وكان أن جمع الله الشتيتين بعدما ظنّا كل الظنّ ألا تلاقيا. ويقال إنه تم تغيير نهاية الفيلم خصّيصًا لأن الجمهور عايز كده. وكما تطوَرت ظاهرة الغش تطورًا مذهلًا، تطورَت أيضًا ظاهرة الكتابة والرسم على الجلد بشكل لم يخطر على بال أحد.. من أول الأسد على ذراع شجيع السيما أبو شنب بريمة فى الليلة الكبيرة.. إلى مختلَف صنوف الشعر والطيور والجماجم والزهور والمشاهير وكل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة. وتكفّلت ظاهرة العولمة بإلغاء الحدود بين العرب وغير العرب فالنقوش على أجسام الرياضيين والفنانين والناس العاديين فى الغرب كما فى الشرق تنافس لوحات المراسم والمعارض الفنية، ولا أملك معلومة دقيقة بخصوص مَن أثّر فى الآخر: العرب أم غير العرب. لكن بالتأكيد فإن الكتابة والرسم بالحنّة على كفوف العرائس هى ظاهرة عربية بامتياز وقديمة أيضًا بامتياز.


• • •
ويحب العرب الكتابة على الذهب والفضة، وهذه الكتابة بدورها عابرة للحدود، لكن طوّرها العرب وطوّعوا المعدن النفيس لآيات من القرآن والكتاب المقدس وكلمات شعرائهم فى الفصحى والعامية. نادرًا ما كنا نجد فتاة أو امرأة فى الستينيات والسبعينيات لا تتدلّى من عنقها "ماشاء الله" كما كنّا نسميها، ونعنى بها سلسلة من الذهب الخالص فى نهايتها دلّاية مكتوب عليها عبارة ما شاء الله، وكان من الطريف أنه حتى لو كانت الدلّاية عليها آية الكرسى فإننا كنّا نطلق عليها ماشاء الله. كانت أيضًا ومازالت دبل الخطوبة تحمل أسماء كل من وجّه كيوبيد سهامه إلى قلوبهم، فإذا بالخطيبين يطوّق كل منهما إصبع الآخر باسمه. يقول جليل البندارى فى أغنيته اللطيفة لشادية "وفى دبلة الخطوبة كتبنا اسمنا". بدأَت هذه الدبل بالذهب للجنسين ثم تحوّلت إلى الفضة للرجال فقط لأسباب دينية واقتصادية أيضًا فلم نعد نرى الدبل الذهب تلمع فى أصابع الرجال إلا فيما ندر. لكن فى عائلتى ظلت الدبلة الذهب فى إصبع والدى شديد التقوى إلى أن توفاه الله، لا هو غيّرها ولا هو بدّلها، وهى الآن مع دبلة شريكة عمره تونّس خزانتي. ثم دخلنا بعد ذلك إلى عصر عزة فهمي. أقول ذلك لأن هذه السيدة أحدثَت ثورة حقيقية فى مجال الكتابة على الفضة المطعّمة بالذهب، وبدأَت بذلك طريقًا سار فيه كثيرون. يوجد لديها ميل خاص لأزجال صلاح چاهين وبيرم التونسى وشعر عمر الخيام وأحمد رامى ونزار قبانى، وهى مثلها مثلنا تتبارك بكلام الله وتخشى من عين الحسود وتحيط كتابتها بخمسة وخميسة أوكف فاطمة كما يقول أهلنا فى دول المغرب العربى، مع خرزة زرقاء ومقص. كما يهوى العرب الكتابة على الزجاج والخشب والخزف والصينى، وتكون المتعة صافيةً حين تجمع البيوت القديمة بين هذه الأنواع من الكتابة أو بعضها، ومَن منّا بمقدوره أن يفلت من سحر بيت السحيمى حيث تختلط الألوان بالخشب المعشّق، ونهج البُردة بتمنيات العزّ الدائم والإقبال؟


• • •
أما أجمل ما جاء فى الأثر القديم عن الكتابة فهو أنها لسان اليد، فالبعض منّا يجيد الكتابة بأكثر مما يجيد الكلام، وحيثما يجتمع الصدق مع القدرة على التعبير تصبح الكتابة لسان اليد والقلب معًا.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات