اعتاد الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد أو العمّ زين- كما يناديه الجميع- أن يحتفل بعيد ميلاده كل عام احتفالًا يشبهه: غير تقليدى، بسيط، جامع للأجيال، تختلط فيه الحواديت بشهادات المحبّين بأبيات الشعر بباقات الورود. ولم يخرج احتفاله بعيد ميلاده الرابع والثمانين عن هذا التقليد، وبالنسبة لى فإن هذا العام كان هو المرة الأولى التى أشارك فى الاحتفال به فى مكتبة مصر الجديدة.
• • •
أحاول أن أجد لَقطة مناسبة كى أبدأ منها، ففى الاحتفال أكثر من لَقطة تخطف السمع والبصر. هناك اللَقطة المؤثّرة لوالدة الشهيد محمد الرفاعى أحد شهداء ثورة يناير التى شكرَت ابنها لأن شهادته هى التى عرّفتها على العمّ زين، ومن بعدها لم تنقطع علاقتهما أبدًا، فشاعرنا الكبير من ذلك الطراز من البشر الذى يجيد نسج العلاقات الإنسانية ويجيد بشكل أكبر الحفاظ عليها. وعلِمت أن الاحتفاء بالشهداء هو طقس متكرر فى احتفال العمّ زين السنوى بيوم مولده، وربنا ما يقطع له عادة. وهناك اللَقطة الأخرى التى لا تقّل تأثيرًا عندما استأذنَت فرقة "الفالوجة" الفلسطينية فى التبكير بتقديم شهادتها بحق صاحب عيد الميلاد لأن واحدة من أعضائها على موعد مع إجراء طبّى بعد ساعة، وكانت شابة تخطف القلب. يعود الفضل فى فكرة الفرقة الفلسطينية لشاعرنا الكبير لأن فلسطين بدبكتها وموسيقاها وأزيائها ينبغى أن يكون لها حضور فى القاهرة، وكانت البداية فى عام ١٩٨٤. تتسّق هذه النصيحة تمامًا مع اقتناع زين العابدين فؤاد بقدرة الفن على التغيير والمقاومة والدفاع عن "حقوق الناس فى الخبز والورد والحرية" كما كان قد قال فى أحد لقاءاته الصحفية، وهو تعبير بديع يجعل الجمال صنوًا للعدالة الاجتماعية والحرية. إنه ابن حى شبرا الذى عاش الازدهار الفنى للحى.. سينما ومسرح ومقاه فإذا بالفن يسرى فى عروقه سريان الدم، حتى إذا تغيّرت الأحوال وانطفأَت أنوار مسرح أو أُغلقَت صالة سينما كان هو يفتح للفن بابًا بعد باب. فمن مسرح القهوة حيث الطاولة والدومينو والشاى بالنعناع على وقع السلطنة والطرب، إلى مبادرة الفن ميدان حيث تتحول الشوارع إلى مسارح مفتوحة على الشعر والغناء والرقص والتمثيل. وفيما بين مسرح القهوة والفن ميدان توجد تجربة حيّ الزبالين حيث لا يحتكر أحد الحق فى الإبداع، فمن أقسى الهموم لا تتفجّر السخرية فقط كما يقول سيد حجاب لكن تتفجّر المواهب أيضًا فإذا بأهل الحى يكتشفون آدميتهم وقدراتهم ويتشاركون فى الإبداع. وهكذا اعتاد العمّ زين فى كل مبادرة أن يطلقها بشكل منفرد ثم يضمّ إليها ويوسع الدائرة باستمرار، وفى قلب الدائرة بالضبط يقف الأطفال نصف الحاضر وكل المستقبل.
• • •
لم تفارق الاحتفال خفة ظل شاعرنا الكبير، فمَن الذى يتصوّر أن يتحوّل ديوان شعر إلى باسبور ينتقل به صاحبه فى الغُربة من مدينة إلى أخرى؟ هو فعل ذلك حين نسى باسبوره فى الفندق بمدينة ميديين الكولومبية أو "كعبة الشِعر" كما يُطلَق عليها وكان على وشك مغادرتها إلى مدينة أخرى هى بارانكيا التى عاش فيها الأديب جابرييل جارسيا ماركيز"الغلبان" حامل جائزة نوبل ووُلِدَت فيها شاكيرا "المغنية الـمشهورة". اكتشف العمّ زين المأزق الذى وجد نفسه فيه، وهداه تفكيره إلى أن يبرز ديوانه الشعرى وعليه اسمه وصورته للموظف على الحدود، فاقتنع الرجل وختم الديوان وجعل صاحبه يعبر وجعله يمّر كما يقول آدم سميث!!!. والألطف أن نفس الواقعة تكررَت عند الانتقال لمدينة ثالثة ورابعة.. ألا سُحقا لشخصية "عبد الروتين" التى تتفنّن فى تعقيد حياة البشر، وذلك رغم إعجابى الشديد بالشخصيات المبتكرة للساخر الكبير أحمد رجب من قاسم السمّاوى لعبده مشتاق وبينهما عبد الروتين.
• • •
ثم مَن الذى تواتيه فكرة توزيع عيدية قيمتها ٥٠ قرشًا جديدة على ٤ من شباب المساجين سنّهم دون العشرين فى الأعياد؟ زين العابدين فؤاد فعلها بإحساسٍ أبوى مطلق عندما كان حبيس الزنزانة رقم ٩ عام ١٩٧٧ مع هؤلاء الشباب، وشهد على الواقعة الشاعر محمد هشام زميله فى نفس الزنزانة والذى كان موجودًا فى الاحتفال بيوم مولده. كان دخول العمّ زين العابدين إلى السجن بسبب مشاركته فى انتفاضة الخبز التى أطلَق عليها الرئيس السادات اسم "انتفاضة الحرامية". وعمومًا فليست هذه هى المرة الأولى التى يعانى فيها العمّ زين بسبب انتصاره للحق فى الخبز، ففى عام ١٩٧٣ مُنع من الكتابة فى مصر حين قال: اتفجّرى يا مصر بالحرب ينطلق النهار.. اتفجّرى بالحرب ضد الجوع وضد القهر وضد التتار، فأثار كلامه عن الجوع حفيظة مَن يهمه الأمر، ومن الغريب أن حفيظتهم لم يثرها حديثه عن القهر. ومن بعد هذا المنع راح زين العابدين فؤاد يهيم بشعره فى بلاد الله خلق الله، من هولندا لمالى ومن السنغال لكوسوڤو.. يجوب الجامعات ومحطات المترو والسجون والمستشفيات والملتقيات الثقافية ثم يعود للشوارع والميادين لأنها الأوسع ولأن فيها تتحقق المساواة بين الكل والكل.
• • •
ومع أن معظم الأبيات التى ألقاها شاعرنا الكبير مشهور ومحفوظ، لكن الاستماع إليه لا يُمّل.. لا يُمّل أبدًا. مثلى مثل أجيال أخرى كثيرة لدينا ضعف خاص تجاه "الحرب لسه فى أول السكة" التى كتبها بعد يوم واحد من العبور العظيم فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣، وكان يؤدى حينها واجب الخدمة العسكرية. وعندما يقول "الفلاحين بيغيّروا الكتّان بالكاكى، ويغيّروا الكاكى بتوب الدم"، يتراءى أمام عيوننا مشهد التبديل والتغيير وكأننا مع الفلاحين/الجنود فى عنبر تغيير الملابس. صعب جدًا أن تفلت من أسر الصورة التى تنطق بها القصيدة. ولدينا طبعًا ضعف خاص تجاه "اتجمعوا العشّاق"، فلقد اختار العمّ زين للعشّاق مكانًا للتجمّع لا يخطر على بال بشر: الزنزانة. تقول القصيدة فى تحدٍ واعتدادٍ "اتجمعوا العشّاق فى الزنزانة مهما يكون السجن مهما القهر.. مهما يزيد الفُجر بالسجّانة مين اللى يقدر ساعة يحبس مصر؟". الشطر الأخير سيصير هو الأشهر والأقدر تعبيرًا على سياقات مختلفة كلها يحمل معنى المقاومة. فبقدر ما تتكرر مفردة القهر فى شعر زين العابدين فؤاد تتكرر أيضًا مفردة الدم، والمعنى هو أن الحرية لابد لها من ثمن.
• • •
إن العمّ زين هو الكبير وصديق الكبار الذين تقاطع دربه مع دروبهم.. الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد وصلاح جاهين وغيرهم كثيرون، وهو دارس الفلسفة الذى هاجر إلى الفن واستقر على ضفافه ثم طاب له المقام حيث هو. إنه المتمرد تحت رايات مختلفة فى عصور كل الرؤساء، وهو الخارج من الزنزانة والعائد لها. إنه الشاعر الذى هجر الفصحى إلى العامية ولم يخف من النقد فالخوف عدو الإبداع. إنه الشاب الثمانينى الذى يحمل فى يده كاميرا صغيرة لا تفارقه يصوّر بها الناس والأحداث ويوثّق اللحظة لئلا تفلت منه، وهو الإنسان الظاهرة الذى يعرف أن الحرب على لبنان آتية فيمدّد إقامته فى بيروت فمن هذا الذى تتاح له فرصة معايشة الحرب فيمشى ويسيبها؟