بين دمعة فؤاد السنيورة وتهكم صاحب «لو كنت أعلم»! - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الجمعة 24 أبريل 2026 1:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

بين دمعة فؤاد السنيورة وتهكم صاحب «لو كنت أعلم»!

نشر فى : الخميس 23 أبريل 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الخميس 23 أبريل 2026 - 6:50 م

حدث ذلك خلال الأيام الأخيرة من حرب العام ٢٠٠٦ التى قامت فى الجنوب اللبنانى بين الدولة العبرية وحزب الله «اللبنانى». لقد كانت، ككل الحروب التى شنتها إسرائيل على لبنان، حرب تدمير فى المقام الأول، تمكنت خلالها القوات الإسرائيلية من سحق مناطق عديدة من الجنوب اللبنانى، ناهيك عن نسف العديد من البنى التحتية، وبخاصة الجسور وبيوت المواطنين وما إلى ذلك، إضافة طبعًا إلى قتل المئات من المقاتلين اللبنانيين والإيرانيين، بينما استطاع المقاتلون التابعون عمومًا لإيران، وعلى رأسهم مجندو حزب الله، إلحاق أذى لا بأس به فى الشمال الإسرائيلى، كان من بين ضحاياه بشكل خاص كثر من عرب «إسرائيل»، بل حتى صروح ثقافية وحضارية متبقية فى مناطق الاحتلال الصهيونى رغم كونها عربية.


يومها، وخلال الأيام الأخيرة من القتال، وأمام هول الخسائر اللبنانية والفلسطينية الناجمة عن «حرب» دامت نحو أربعة أسابيع، لم يتردد زعيم حزب الله حسن نصر الله فى الظهور على شاشات التلفزة ليقول، فى فعل ندامة لا لبس فيه ولا يخفى على أحد: «لو كنت أعلم!». ومن الواضح أنه بذلك القول كان يعلن أنه لو كان يعلم بما سوف تكون عليه نتائج حرب افتعلها وجماعته بأوامر مباشرة من الحرس الثورى الإيرانى، لما أقدم على فعلته. كان موقفًا حضاريًا منه إلى حد ما، ولسوف يحمده له كثر من اللبنانيين حتى من خارج بيئته، وبخاصة من خارج تلك البيئة.


غير أن ما يمكن اعتباره أكثر حضارة من فعل ندامة الأمين العام لحزب الله، إنما كان ما بدر عفويًا من جانب رئيس الحكومة اللبنانية فى ذلك الحين، فؤاد السنيورة، خلال مؤتمر صحفى كانت فيه مئات الكاميرات موجهة إليه وهو يتحدث عما أصاب لبنان، البشر والحجر. خلال حديثه، لم يتمالك خليفة رفيق الحريرى، المغتال غدرًا على يد الإيرانيين أنفسهم كما سيتبين لاحقًا، نفسه عن ذرف دمعة متأثرًا بالحدث الجلل والخسائر التى مُنى بها الوطن على يد العدو الصهيونى، ولكن بمبادرة من حزب لم يصرح يومها بأنه يعتبره فرعًا للحرس الثورى الإيرانى فى لبنان.


كانت دمعة فؤاد السنيورة دمعة قومى عربى وطنى حقيقى، مفعمة بالعاطفة والأسى، شوهدت على شاشات التلفزة فى العالم كله وأثارت قدرًا هائلًا من التعاطف. لكن ذلك التعاطف لم يشمل أمين عام «الحزب»، الذى سوف يسارع بالتهكم من موقف السنيورة، قائلًا ما معناه إن البكاء خليق بالنساء، وإن الرجال لا يبكون!


استفز تعليق نصر الله كثرًا من الناس، لكنه استفزنى أنا شخصيًا لعدة أسباب، منها أننى كنت، وما أزال، أكن احترامًا كبيرًا للسنيورة، وأن كلام نصر الله بدا لى متخلفًا، فيه احتقار لموقع يشغله سياسى كبير فى البلد، وهو رجل أفنى عمره فى خدمة القضايا العادلة فى لبنان والعالم العربى، كما فيه احتقار للمرأة عمومًا، بكلام جدير بمخلفات القرون الوسطى: «السيف للرجال واللطم للنساء!». وكنت أعرف أن أى رد يمكن تسجيله على ذلك الكلام قد يكلفنى ويكلف الصحيفة التى أعمل بها الكثير، خاصة أن حزب السيد نصر الله ظل مهيمنًا على البلد، وربما برضى «العدو الغاشم». ناهيك عن أن ما أكتبه فى صحيفتى لا يفترض به أن يكون سياسيًا، بل ينتمى إلى تاريخ الثقافة العالمية. فما العمل وأنا أشعر بالغيظ إن لم أرد؟


بعد تفكير لم يستغرق سوى دقائق حينها، اهتديت إلى أنسب وسيلة أرد من خلالها على ما قاله نصر الله عن السنيورة محتقرًا دموعه. فلقد تذكرت، مستعينًا بذاكرتى، مغناة للموسيقى الألمانى روبرت شومان (١٨١٠ - ١٨٥٦) هى «الجنى الأزرق»، التى وجدت فى حبكتها نوعًا من رد بالغ الأناقة على أقوال الزعيم المذهبى: فالمغناة تتحدث عن ذلك الجنى الذى يُكلف عادة من قبل العناية الإلهية بمهمات تقوده إلى عالمنا الدنيوى. وهكذا تطلب منه تلك العناية، من عليائها، أن يتوجه إلى الأرض ليبلغها عن أشرف إنسان فى الوجود.
يتوجه الجنى فى الحكاية، أول الأمر، إلى مصر، ليعود بحكاية من يعتبره أشرف رجل التقاه هناك، حكاية مواطن راح ينقذ بعض الأطفال من براثن رجل شرير، ما يدفع مقابله ثمنًا باهظًا، لكنه يواصل مهمته دون كلل. عندما يحكى الجنى هذه الحكاية، يقال له: صحيح أن هذا الرجل شريف، لكننا نريد حكاية أكثر عمقًا. فيعود الجنى إلى الأرض متوجهًا إلى الهند هذه المرة، ليعود بحكاية أخرى عن رجل يتكبد الكثير فى عملية إنقاذ مشابهة لعائلة حطمتها الأقدار. لكنه عندما يعود بهذه الحكاية، تبدى العناية الإلهية إعجابًا حقيقيًا بها، لكنها تعلق قائلة: لا شك أن هذا الرجل شريف، لكن اللقب يحتاج إلى من هو أشرف.


من جديد، إذًا، يعود الجنى، لكنه هذه المرة يتوجه إلى مدينة بعلبك فى منطقة البقاع شرقى لبنان، معقل الشيعة لاحقًا. وفى البقاع يشهد حكاية تدور أمام عينيه: حكاية رجل جالس وعيناه دامعتان، بكاءً على مصير امرأة يجد نفسه عاجزًا عن إنقاذها مما هى فيه من بؤس وعذاب. وهو حين يعود حاملًا هذه الحكاية الجديدة إلى الأعالى، تبتسم له العناية الإلهية قائلة برفق إن هذا الرجل البعلبكى الدامع العينين من أجل امرأة ظُلمت أمام ناظريه، ويغمره حزن كبير من أجلها، ولأنه أيضًا عاجز عن إنقاذها، هو أشرف رجل على وجه البسيطة!
هنا تنتهى حكاية مغناة روبرت شومان. أما حكاية مقالى حولها، والذى عنونته: «فى مغناة الجنى الأزرق للألمانى شومان: دمعة الرجل أشرف ما فى الوجود»، فتتابع فصولًا. صحيح أننى لست أدري، وربما لن أعرف أبدًا، ما إذا كان الرئيس السنيورة قد قرأ المقال ووجد فيه شيئًا من العزاء، خاصة أنه جاء بقلم من كان يناكفه دائمًا منذ سنوات عديدة على صفحاته، لكننى أعرف أن واحدًا من أصدقائى بين قياديى حزب الله، وكان سابقًا عضوًا فاعلًا فى الحزب الشيوعى اللبنانى، معروفًا بتقدميته ووعيه، قبل أن تجرفه الطائفية المذهبية كما جرفت كثرًا غيره (رغم أن الحزب الذى انتمى إليه اغتال كثرًا من رفاقه، شيوعيين كانوا أم غير شيوعيين، ولا سيما الشيعة منهم، فى سلسلة بدأت بالمفكر الكبير حسين مروة لتصل لاحقًا إلى المثقف اللامع لقمان سليم)، ذلك الصديق اتصل بى يوم نشر مقالى ليبادرنى، بين المزاح والجد: «إذًا أيها العزيز، أنت تهاجم اليوم السيد وترد عليه بشطارة دون أن يبدو عليك أنك تفعل ذلك؟!». فأجبته من فورى: «لست أنا يا صديقى من يرد على نصر الله. من يرد عليه هنا هو الموسيقى الألمانى شومان». فاستطرد قائلًا: «لا شك أن شومان هذا صهيونى معادٍ لنا وللعرب عمومًا. اسمه يشير إلى ذلك على أية حال. إنى أربأ بك يا صديقى أن تتحالف مع الصهاينة فى مثل هذه المعركة». طبعًا عبثًا حاولت أن أشرح لصديقى الأمر، وأن أخبره بأن شومان عاش ومات قبل ولادة الصهيونية بما يقرب من ٢٠٠ سنة، لكنه لم يهتم بهذا. كان همه أن ينبهنى، بل أن يحذرنى، معتبرًا إياى صديقًا قديمًا ينبغى إنذاره بالويل والثبور إن هو عاد إلى مثل هذه التصرفات، وأن من غير اللائق حشر مدينة بعلبك، معقل «مجاهدى» حزب الله، فى مثل هذه «الخزعبلات الصهيونية» بحسب توصيفه القاطع.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات