«أنتركهم يغصبون العروبة مجد النبوة والسؤددا»، «وقبل شهيدًا على أرضها دعا باسمك اللهم واستشهدا»، «دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه نور وحق»، «وطنى حبيبى الوطن الأكبر»، «القمح الليلة الليلة ليلة عيده، يارب تبارك وتبارك وتزيده»، «ومسكت المجد من أطرافه سؤدد الفرس ومجد العرب».. ترى ما هو القاسم المشترك بين كل هذه الأبيات الشعرية؟ ببساطة: الجواب هو أن كلها أُنشدت على موسيقى محمد عبدالوهاب ومن غنائه. ويمكن هذه اللائحة أن تطول لتشمل عشرات الأغانى والأناشيد والأوبرات وما شابه ذلك من أعمال موسيقية غنائية خالدة لا تزال ترد إلى الخاطر فى كل مرة يُذكر فيها هذا الفنان الكبير، الذى لم يواكب عواطفنا وذوقنا الفنى طوال القرن العشرين فقط، بل كان أيضًا جزءًا من وجداننا الوطنى النقى وباعث الأمل فينا خلال فترة ندعوها «العصر الذهبى للغناء العربى». ومع هذا، إذا كان كثر فى طول العالم العربى وعرضه يقرون لعبدالوهاب بذلك، فإن كثرًا آخرين ينكرونه عليه، وينتظرون الفرص لإلحاق الأذى بذكراه ومكانته فى تاريخنا الإبداعى والوجدانى العربى.
وهو ما حدث على أية حال فى حكاية كنت أنا واحدًا من اللاعبين فيها قبل نحو أربعين سنة. حكاية سبق أن أشرت إليها فى مقال سابق، واعدًا بالعودة إليها بالتفصيل، وهو ما أفعله هنا.
تتعلق الحكاية بواحدة من تلك المعارك التى دارت فى الفضاء السياسى العربى من حول محمد عبد الوهاب بالتحديد، ولكن من المؤكد أن الفنان الكبير لم يعرف بها، وليس فقط لأنه كان حين حدثت يقترب حثيثًا من خاتمة حياته الغنية، له ولنا، بل لأن جزءًا من شعاره كانت فحواه: «تكسرت النبال على النبال»، حيث، وللتهجم على مصر السادات، كان عبدالوهاب نفسه يُستهدف. وتلكم هى الحال فى حكايتنا هنا.
ففى النصف الثانى من ثمانينيات القرن الفائت، وكنت قد وصلت لتوى إلى باريس لأقيم وأعمل فيها رئيسًا للقسم الثقافى فى المجلة الفلسطينية «اليوم السابع» الصادرة حينها فى العاصمة الفرنسية، إلى جانب بلال الحسن وجوزيف سماحة ومحمود درويش وغيرهم ممن أمنوا لتلك المجلة مستوى ومكانة كبيرين، حدث ذات مرة أن جرى اتصال بى من مطبوعات اليونسكو ليسألنى محدثى عما إذا كان يهمنى أن أشتغل قارئًا خارجيًا على ملف يتعلق بمحمد عبدالوهاب وإنتاجه الفنى. طبعًا كان ردى بالإيجاب، من ناحية لأننى مهتم حقًا بذلك المبدع الكبير وتاريخه وفنه ومن موقع الإعجاب المطلق، وبعد ذلك لأن المهمة غير معلنة. وستكون تلكم هى المناسبة الوحيدة التى ستمكننى من معرفة شىء عن ذلك الاهتمام المفاجئ لليونسكو بالفنان المصرى العربى الكبير.
بالفعل أُرسل إليّ الملف، فإذا به محضر اتهام مفصل ينسف مكانة محمد عبد الوهاب من ألفها إلى يائها، متهمًا إياه بكل ما فى عالم الموسيقى من سرقات، ومقللًا من شأنه ومن مكانة جمهوره. ومن فورى يومها قرأت النص المطول مرتين أو ثلاث مرات، ثم تحريت الأمر لأدرك أن الملف من إعداد السفارة العراقية فى اليونسكو، والتى اشتغلت عليه مع رهط من خبراء الموسيقى العرب، وجلهم من العاملين لحساب تلك السفارة. وكان السفير يومها الصديق عزيز الحاج الذى، ويا لغرابة الأمر، كان من كبار المعجبين بمحمد عبدالوهاب وبكل ما ينتجه الإبداع المصرى عمومًا. وبسرعة أدركت أن الرجل إنما يقوم هنا بمهمة سياسية تتناقض مع ذائقته الفنية، وربما مع ضميره كمبدع ومناضل حقيقى هو الآخر. ومن هنا قررت، وانطلاقًا من وقوفى المطلق إلى جانب فن عبدالوهاب، وغيظى المطلق تجاه هذا التصرف من عزيز الحاج، أن أنسف الفكرة التى يقوم عليها الملف من أساسه، لا سيما فكرة السرقة التى كانت غالبًا ما توجه إليه للانتقاص ليس فقط من قيمته الخاصة، بل من قيمة بلده، وغالبًا ما تمارسها أطراف متعلقة بما كان يسمى حينها بجبهة الصمود والتصدى التى يقودها العراق ويمولها.
ومن حسن حظى أننى كنت قبل تلك بفترة قد عثرت فى مجلات مصرية قديمة على إعلانات لأسطوانات صادرة عن شركة بيضافون، تقول بوضوح ما معناه إن هذه الأسطوانة تتضمن مقطعًا من موسيقى المسيو فيردى مثلًا، أضافه الفنان الشاب إلى أغنيته «أهون عليك»، وهو بالتحديد مقطع الفالس الذى يقول فيه: «كان عندى عهدك فى الهوى، يا نعيش سوا يا نموت سوا». ولقد كان الإعلان حاسمًا، إذ أدى إلى رفض اليونسكو للملف العراقى جملة وتفصيلًا، وأحسست أنا بالرضا التام عن نفسى لما فعلت.
ولكن بقى على أن «أسوى الأمر» مع صديقى السفير. وحتى ولو أننى قلت لنفسى إن المسألة هنا بسيطة، فاختيارى قارئًا من قبل اليونسكو أمر يبقى سريًا عادة، ومع ذلك حين التقيت عزيز الحاج بعد فترة فى مناسبة باريسية وجدته يبتسم لى مرحبًا من بعيد، فاقتربت منه بشىء من الحذر، لأجده يفتح ذراعى لى بود شديد. نظرت إليه بحيرة محاولًا أن أفهم، فلم يقل شيئًا أول الأمر، ثم بعد دقائق، وفيما كان يسلم على آخرين، قال مدمدمًا ودون أن ينظر إلى: «هل تعتقد يا رفيقى أننى أقل منك حبًا لمحمد عبد الوهاب وشغفًا به وتقديرًا لموسيقاه؟». دهشت ودمدمت بدورى: «فماذا إذًا عن ملف اليونسكو؟». فاتسعت ابتسامته وتابع: «إنه واجبى الدبلوماسى.. أما اختيارى لك لأن تكون أنت بالذات من تقرأ الملف لحساب اليونسكو فكان يخرج عن ذلك الواجب وعن تلك الأعراف، أليس كذلك؟». وتركنى مبتسمًا بود شديد، وقد أدركت ما فعل ذلك الرجل الاستثنائى فى مقاومته لسياسات بلاده، ولو عبر ذلك التصرف البسيط، هو الذى كان يعرف سلفًا أننى سأرفض الملف الذى أشرف هو على وضعه رفضًا قاطعًا.
على أية حال، بعد سنوات من تلك المحادثة، وكانت منظمة التحرير قد أقفلت مجلة «اليوم السابع»، اتصل بى عزيز الحاج نفسه ليخبرنى بقدر كبير من الحياد أن برزان التكريتى، أخ صدام حسين غير الشقيق والمقيم فى جنيف مشرفًا على تمويل الإعلام المرتبط بالعراق من هناك، يقترح على وعلى جوزيف سماحة أن نعيد إصدار «اليوم السابع». استمهلت السفير حينها بعض الأيام ريثما أتصل بجوزيف وأطلعه على قرارنا المشترك. طبعًا رفضنا الفكرة، جوزيف وأنا. والحقيقة أننى حين أخبرت عزيز الحاج برفضنا، وأنا أشعر بشىء من الحرج تجاهه، قال لى بكل بساطة: «أنا لو مكانكما لفعلت الشىء نفسه»، مكررًا نفس فعل المقاومة الذى سيبقى لدىّ ذكرى عطرة من هذا الرجل الحقيقى.