فى خضم الأحداث الساخنة الجارية فى العالم، والتى كشفت عن سيطرة سياسية وعسكرية شبه مطلقة للولايات المتحدة الأمريكية فى كل بقعة من بقاع الأرض، ناقشتُ فى 31/1/2026 رسالة شديدة الارتباط بالأحداث العالمية الدائرة فى حاضرنا من منظور علم اللغة الاجتماعى بعنوان: «ظاهرة الفرنجليزية وأثرها على اللغة الفرنسية: دراسة سوسيو لغوية»، بإشراف الأستاذة الدكتورة كريستين يوسف بآداب القاهرة، وعضوية الأستاذ الدكتور عصام عبد الفتاح من آداب حلوان، بمشاركتى من جامعة الأزهر. والرسالة مقدمة من الطالبة دينا القشيرى فى تخصص اللغويات باللغة الفرنسية بآداب القاهرة – أم الجامعات فى جمهورية مصر العربية – ولا يخرج من عباءتها سوى جامعة الأزهر التى تُعد من أقدم الجامعات فى العالم أجمع، ويرجع تاريخها إلى ما قبل الألف عام!
بدأ مصطلح «الفرنجليزية» (Franglais) فى الانتشار عام 1955، وهى ظاهرة لغوية تشير فى الأصل إلى اقتراض كلمات من الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية بعد الغزو النورماندى لإنجلترا عام 1066، إلا أن هذا الأمر تبدّل لصالح اللغة الإنجليزية بداية من القرن الثامن عشر، وصار الشعب الفرنسى يتباهى بذكر كلمات إنجليزية فى أحاديثه اليومية. وأصبحت ظاهرة الاقتراض من الإنجليزية عالمية، أثرت على كل لغات وشعوب العالم، وذلك تعبيرًا عن قوة نفوذ بريطانيا، حيث كانت تشرق وتغرب الشمس على أراضيها ومستعمراتها حول العالم. وكان تداخل اللغة الإنجليزية وتأثيرها على اللغة الفرنسية، خاصة فى مجالات الأعمال والتكنولوجيا والاقتصاد، قويًا. ويقابل هذه الظاهرة فى عالمنا العربى ما يُسمى بـ«الفرانكو آراب»، أى تداخل مفردات من الفرنسية والإنجليزية على اللغة العربية.
وتأتى ظاهرة تداخل لغة أجنبية على أى لغة – فى الأصل – نظرًا لنقص بعض المفردات أو المصطلحات أو التعبيرات أو التركيبات اللغوية فى اللغة المنقول إليها، ولكن هذه الحقيقة لم تعد واقعية الآن؛ فاللغة لا تقترض من اللغات الأخرى لأنه ينقصها بعض التعبيرات فقط، ولكن من الممكن أن تقترض لأسباب أخرى، من أهمها محاولة التقرب من حضارات أخرى أصبحت مسيطرة، فهى تداهنها لتحصل على مكاسب مادية واقتصادية وسياسية وحماية عسكرية. وهذا ما يحدث بالفعل فى عصرنا الحالى بالنسبة لتأثير اللغة «الإنجلو/أمريكية»، فهى ظاهرة يُطلق عليها الآن «الفرانريكان» Franricain، وتعتمد على الأصل الأمريكى لأغلب الكلمات المقترضة والتعبيرات والتركيبات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تعد أكبر جامعة فى فرنسا، السربون Université La Sorbonne، تحمل نفس الاسم، ولكن أصبحت تُنطق بتركيبة إنجليزية Sorbonne Université، وهو ما يسمى بـ«الجلوبيش» le Globish، وهذه لغة إنجليزية مبسطة تُستخدم عالميًا للتواصل، تعتمد على مفردات وقواعد بسيطة لكى تكون مفهومة من أكبر عدد ممكن من الناس حول العالم!
وهكذا يتبين لنا أنه تم استبدال اللغة الإنجليزية «الأمريكية» باللغة الإنجليزية «البريطانية» أو الإنجليزية التقليدية، حيث إن التقدم العلمى فى الولايات المتحدة الأمريكية أصبح مسيطرًا على كل نواحى الحياة، خاصة التكنولوجية والصناعية والاقتصادية.. وكذلك حضارتها المتمثلة مجازًا بـ«التيك أواى» و«البيبسى كولا». هكذا يتضح أن الحضارة الأمريكية مهيمنة على العالم أجمع، وأصبح العالم كله أيضًا فى حاجة ماسة إلى الولايات المتحدة، وهذا طبيعى؛ فالتاريخ يشهد بأن حضارة الأقوى هى الأكثر انتشارًا وهيمنة!
• • •
فقد عبّرت اللغة، فى كل العصور، عن مدى قوة الحضارة بمدى انتشارها. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، بدأ عصر الهيمنة الأمريكية، وقد تجسدت هذه الهيمنة عندما أمرت الولايات المتحدة بانسحاب جيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من سيناء، فى ما عُرف بالعدوان الثلاثى على مصر عام 1956. فى هذا التاريخ انتهت هيمنة الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية، وبدأت ثورات التحرر فى كل بلدان العالم من التبعية الاستعمارية الإنجليزية/الفرنسية إلى الإمبراطورية الأمريكية الجديدة!
هكذا تقلصت قوى الإمبريالية الأوروبية لصالح الإمبريالية الأمريكية، وهيمنت اللغة «الإنجلو/أمريكية» على كل حضارات العالم من أدناه إلى أقصاه، وأصبح الحلم الأمريكى هدف كل دولة، بل كل إنسان على وجه الأرض، خاصة عندما رفعت شعارات الحرية والديمقراطية التى أصبحت مؤخرًا على المحك، بعد أن بلغت قمة غرورها المتمثلة فى نظام حكمها الجديد الذى يُخرب كل الأعراف الإنسانية وكل القواعد القانونية، وكذلك كل الهيئات الدولية، بعدم اعترافه بأحكام المحاكم الدولية (إدانة نتنياهو وجالانت من المحكمة الجنائية فى 21/11/2024)، وبانسحابه من منظمة المناخ العالمية ومنظمة الصحة العالمية، وأخيرًا بمحاولة استبدال «مجلس السلام العالمى» بـ«هيئة الأمم المتحدة»، وكذلك إدخال كلمة «صفقة» كمصطلح سياسى وليس اقتصادى (political deal). تلك آخر المصطلحات اللغوية السياسية الجديدة.
• • •
هذا التغيّر يشير إلى تحول جديد فى ما يسمى بعلم اللغة الاجتماعى (sociolinguistics)، فهو يشير إلى مفاهيم جديدة دخلت على الفكر السياسى، وتتأثر به بالطبع مفاهيم كل المجتمعات فى العالم، وهذا نظرًا لأنها نُطقت على لسان أقوى رجل فى العالم: الرئيس الأمريكى دونالد ترامب!
فاللغة هى مؤسسة اجتماعية، وهى تُنظَّم تلقائيًا بشكل واعٍ وغير واعٍ من قبل المجتمع، وهذا يسمح لنا بتحليل أى ظاهرة جديدة على المجتمع فى كل مناحى الحياة، سواء الاقتصادية أو السياسية أو العلمية والعسكرية أيضًا. وهذه التطورات نكتشفها من خلال وسائل الإعلام المتنوعة: الصحف، وأجهزة الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعى.. فلم يظهر تأثير ظاهرة «الفرنجليزية» أو بالأحرى «الفرانريكان» على المجتمع الفرنسى فحسب، بل امتد ليؤثر على مجتمعات العالم بأسره. وقد وضح هذا التأثير بشكل جلِى فى مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وإدارة الأعمال، فنرى اليوم العالم يكاد يتكلم بلغة واحدة، وبمصطلحات واحدة، لدرجة أن الرئيس الفرنسى الحالى إيمانويل ماكرون فى خطاباته الأخيرة كان يستبدل المصطلحات الأمريكية بدلًا من المصطلحات الفرنسية، على الرغم من وجود المقابل المتماثل تمامًا بين اللغتين فيما يتعلق بالمصطلحات المستخدمة!
وعلى الرغم من وجود قانون توبون (Loi Toubon) الصادر فى 4/8/1994، الذى يفرض استخدام اللغة الفرنسية فى العقود والإعلانات الرسمية ووسائل الإعلام، بهدف حماية اللغة الوطنية من هيمنة اللغات الأجنبية (خاصة الإنجليزية)، فقد استخدم ماكرون فى صالون VivaTech (تحيا التكنولوجيا) المنعقد فى باريس عام 2017 مفردات إنجليزية بدلًا من الفرنسية الموجودة بالفعل فى اللغة الفرنسية، لاعتقاده بأن النظام الاقتصادى الأوروبى ما زال يعتمد على النموذج القديم لما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنه قد آن الأوان للتحول إلى النظام الرقمى الأمريكى الجديد، وذلك لمنافسة الولايات المتحدة فى مجال التكنولوجيا. ونذكر على سبيل المثال استخدام ماكرون للمصطلحات التالية:
Digital بدلًا من numérique (الرقمى)، وleader بدلًا من chef de file (القائد)، وcleantech أو greentech بدلًا من écotechnologie (تكنولوجيا صديقة للبيئة)، و bitcoin بدلًا من minage (العملة الرقمية)!
• • •
فى مؤتمر دافوس الاقتصادى عام 2018، بدأ الرئيس الفرنسى باستخدام عبارات كاملة باللغة الإنجليزية:
"My key message is that France is back"
ولم يذكر المقابل الفرنسى، والجملة تعنى: «مفتاح رسالتى هو أن فرنسا تعود». ومؤخرًا لم يكتفِ ماكرون بكلمات وعبارات إنجليزية، بل إنه فى المؤتمر الاقتصادى الأخير فى دافوس (يناير 2026) ألقى خطابه كاملًا باللغة الإنجليزية دون استخدام أى كلمة فرنسية. فقد كان خطابه موجهًا إلى جمهور من كبار الاقتصاديين والمستثمرين ورجال البنوك والأعمال ورؤساء الشركات العالمية وأصحاب القرار السياسى العالميين. وقد قصد الرئيس ماكرون توجيه رسالته باللغة الإنجليزية اعترافًا منه بأنها تعمل كمحور لعمليات تعميم الخطاب الاقتصادى والبيئى على المستوى العالمى، وكذلك إيمانًا منه بأن اللغة الإنجليزية عالمية، يمكن عن طريقها أن يصل مباشرة إلى المعنيين برسالته دون أى وسيط!
وقد استعار علم اللغويات مصطلحًا من علم الأحياء «Glottophagie» – من أصل إيطالى – ويعنى «آكل اللحم البشرى»، ويُستخدم بمعنى مجازى يفيد اختفاء «اللغات الأقلية»، أى انقراض اللغات التى يتحدث بها عدد قليل من الناس مع مرور الوقت نتيجة تراجع استخدامها. وهذا تجسيد واقعى لـ«الإمبريالية» التى تتبعها الولايات المتحدة فى سياستها التوسعية لفرض سيطرتها على شعوب أخرى خارج حدودها، من خلال السيطرة الاقتصادية والعسكرية والثقافية، وهى تُعد وسيلة لنهب الموارد وفرض النفوذ. وهذا بالضبط ما نراه – وفق الطرح الوارد – فى خطف الرئيس الفنزويلى وزوجته من مضجعهما، ومحاولة احتلال جزيرة جرينلاند، والسعى لضم كندا إلى الولايات المتحدة، والاعتداء على إيران، والتفكير فى عمل انقلاب فى المكسيك وكوبا، والرغبة فى العبور من قناة السويس مجانًا... إلخ!
كل هذه التصرفات تكشف عن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية فى السيطرة الكاملة على العالم أجمع فى كل نشاطاته الاقتصادية والعسكرية والثقافية، والتى بدأت بهيمنة اللغة والحضارة الإنجلو/أمريكية، واللتان يُطلق عليهما «الفرانريكانية». فهذا ما أردنا قوله بأن «الهيمنة اللغوية تقود إلى الإمبريالية السياسية والعسكرية»!
• • •
والسؤال المطروح الآن، مع تصاعد النمو الاقتصادى والعسكرى والسياسى للصين، المناوئ للولايات المتحدة، هل اللغة الصينية ستقضى على الهيمنة «الفرانريكانية»، وتُنهى الإمبريالية الأمريكية اللغوية والسياسية والعسكرية، ونعيش مستقبلًا عصر «الشينوازيسم» The Chinoisism بدلًا من «الأمريكانيسم» The Americanism التى دخلت عصر الغرور، ومن ثم بدأت عصر الأفول، من وجهة نظرنا؟ ولعل الخطاب الشعبوى للرئيس ترامب فى 25 فبراير 2026 عن حالة الاتحاد فى الكونجرس شاهد على ذلك!