منطق العبث.. هل يحكم العالم؟ - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الأحد 5 أبريل 2026 1:20 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

منطق العبث.. هل يحكم العالم؟

نشر فى : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : السبت 4 أبريل 2026 - 6:20 م

تُعد رواية الغريب (L’Étranger) (1942) للفيلسوف الفرنسى ألبير كامو (Albert Camus) (1913-1960) الأساس لفلسفة العبث، ويعكس عنوانها المكونات السلوكية والنفسية الغريبة للشخصية الرئيسية للرواية ميرسو (Meursault)، الذى يشعر بالغربة عن مجتمعه، وكذلك يراه أهل مجتمعه غريبًا عنهم، وتتجسد هذه الغربة فى ردود فعله التى تتفرَّد بالبرود واللا مبالاة تجاه أحداث جسام مرَّ بها (وفاة أمه وقتل رجل عربى)، فهو خالٍ من المشاعر الإنسانية، ومن التعاطف مع الآخرين، ومن الصعب فهمه، فالرواية تطرح تساؤلات حول جدوى الحياة فى عالم يفتقد إلى المنطق والترابط!


وتُعد هذه الرواية من أهم أعمال كامو لعدة أسباب، أولها: أنها الأولى فى الأدب العالمى التى تُبيِّن مفهوم العبث، إذ يرى هذا المذهب الأدبى أن الحياة اليومية مليئة بالمعاناة والغرابة والأحداث غير المفهومة؛ فالعبث يكشف عن عدم عناية الحياة بمصير الإنسان، كما لا يوجد معنى جوهرى للأفعال التى يقوم بها الإنسان، فالبشر يتصرفون بجنون أحيانًا، ودون سبب معلوم!


وثانيها: كما اكتشف الفيلسوف الفرنسى ماركيز دى ساد (Marquis de Sade) (1740-1814) من خلال أعماله الأدبية مرض السادية، وهو اضطراب نفسى يتميز بالإحساس بالمتعة واللذة من خلال إيقاع الألم الجسدى أو العذاب النفسى للآخرين، كذلك كشفت رواية الغريب لأول مرة وصف أعراض متلازمة الأسبرجر (Asperger’s Syndrome)، أحد أشكال مرض التوحد (Autism)، علمًا بأن أعراض الأسبرجر أقل حدة مقارنة بباقى أشكال التوحد، إذ يواجه المصاب به بعض الصعوبات فى التواصل والتفاعل الاجتماعى، لكنه يختلف عن الأشكال الأخرى للتوحد بأنه لا يعانى من تأخر فى المهارات اللغوية أو التطور المعرفى، وهذا يمنحه قدرة على الاستقلالية والتعلم والعمل، وعلاوة على ذلك، يتميز أصحاب متلازمة أسبرجر بمعدل ذكاء أعلى من الطبيعي؛ وهذه تقريبًا التركيبة النفسية والسلوكية لـ«ميرسو» بطل رواية الغريب!


وتدور أحداث الرواية فى الجزائر (مولد كامو) حول شخصية ميرسو، الذى يتسم باللا مبالاة الشديدة، وتنعدم لديه المشاعر الإنسانية التقليدية، وتنقسم الرواية إلى جزأين أساسيين:


يُوضح الجزء الأول حالة البرود العاطفى لميرسو من خلال موت أمه، التى لم يُبدِ أى مشاعر حزن عليها، واللا مبالاة من خلال جريمة القتل التى قام بها دون أى سبب؛ تبدأ القصة بجملة غريبة: «اليوم ماتت أمى، أو ربما أمس، لست أدرى». يَحضُر ميرسو جنازة أمه دون إظهار أى حزن، بل ينشغل بتفاصيل تافهة كحرارة الجو وتعبه الجسدى، وبعد دفن أمه، يعود إلى حياته الطبيعية، فيقيم علاقة حميمية مع فتاة تُدعى مارى، ويُصادق جاره ريمون (فاسد أخلاقيًا)، فيورطه فى مشاكله، ويدعوه للتنزُّه على الشاطئ، وتحت وطأة حرارة الشمس، يقتل ميرسو رجلًا عربيًا (شقيق عشيقة ريمون) بإطلاق النار عليه عدة مرات دون دافع واضح أو عداء مسبق، سوى أن الشمس كانت حارقة حسب قوله فى المحكمة، علمًا بأن ميرسو كان قد منع جاره ريمون من قتل هذا العربى من قبل!
وفى الجزء الثانى، يتحول ميرسو إلى المحاكمة، ويحكى الراوى غرابة أحداثها، ورد فعل ميرسو على حكم الإعدام الذى أُدين به؛ فلم تُركز المحاكمة على جريمة القتل بقدر ما ركزت على شخصية ميرسو اللا إنسانية، وعلى برودة مشاعره، حيث لم يُحاكم لكونه قاتلًا، بل أُدين لأنه لم يبكِ على وفاة أمه فى جنازتها!


وفى نهاية الرواية، يرفض ميرسو «التوبة»، وينهر بشدة القس الذى طلب منه الاعتراف بخطيئته ليدعو له بالمغفرة، مؤكدًا أن الحياة عبثية، وأن الموت الحقيقة الوحيدة التى تساوى بين الجميع، وينتهى الأمر بتقبُّله لحكم الإعدام، لأنه كما يقول: «الجميع يعرفون أنَّ الحياة ليست جديرة بأن تُعاش، ولم أكن أجهل فى الحقيقة أنَّ الموت فى الثلاثين أو فى السبعين سيَّان». هكذا ينصاع ميرسو لمصيره بهدوء، متمنيًا أن يحضر الكثير من المتفرجين إعدامه، ليعلموا بأن موته خاتمة منطقية لحياة بلا معنى!
تعودتُ، قارئى الكريم، أن تكون كل مقالاتى مرتبطة بأحداث الواقع، فما علاقة رواية «الغريب» وما تحتويه من أدبيات تيار «العبث» بالحاضر؟


• • •
فى الحقيقة، ومن وجهة نظرى المتواضعة، أن كل أحداث الحاضر - فى العالم أجمع - لا نجد لها وصفًا أدق من «العبث»، خاصة إذا عرفنا أن هذا التيار الأدبى ظهر مع بدايات الحرب العالمية الثانية، التى نتج عنها فناء ملايين من البشر فى أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، والتى لم تنتهِ إلا باستخدام الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين فى هيروشيما وناجازاكى، وذلك عندما استعصى على الحلفاء إلحاق هزيمة حاسمة بدول المحور؛ فهذه الحرب بكل مآسيها وآلامها جعلت المفكرين يتساءلون عن أسبابها، خاصة أنها قامت بين شعوب الدول الغربية، أصحاب فكر وتاريخ وحضارة واحدة، فلم يتوصل المفكرون والأدباء إلا لتفسير واحد هو «العبث»!


ومن ناحية أخرى، نرى أن من تسبب فى مأساة هذه الحرب ثلاثة قادة ديكتاتوريين أغرتهم أحلام الهيمنة والسيطرة على العالم: هتلر، وموسولينى، والإمبراطور هيروهيتو (اليابان)، الذين كوَّنوا حلفًا ثلاثيًا (1940) أُطلق عليه «المحور». وها هو التاريخ يُعيد نفسه، فالرئيس ترامب يُكرر أحلام قادة المحور، فيطالب بضم كندا، وامتلاك بترول فنزويلا، واحتلال جزيرة جرينلاند، واحتلال جزيرة الخرج المليئة بالنفط، والسيطرة على خليج هرمز للتحكم فى التجارة العالمية، ومحاربة إيران للسيطرة على مصادر البترول لديها، ليحرم الصين من أهم مصادرها للطاقة، وابتزاز دول الخليج العربى بحجة حمايتهم من المد الفارسى.. إلخ. وقبل هذا وذاك، تدمير غزة لتحويلها إلى منتجع سياحى عالمى، وليذهب أصحابها إلى الجحيم، فالمهم الصفقات التجارية. وأخشى أن تكون نهاية هذه الحرب - إذا لم يتمكن ترامب من إسقاط النظام الإيرانى - أن يقوم بعمل عبثى، كما قتل ميرسو الرجل العربى دون سبب، فيُلقى قنبلة نووية محدودة الأثر على طهران لإسقاطها، مثلما حدث فى الحرب العالمية الثانية!


مما لا شك فيه أن الأوضاع العالمية التى أفرزتها سياسات رئيس الولايات المتحدة تُذكرنا بأجواء الحرب العالمية الثانية، وتنذر بحرب عالمية ثالثة، إن لم تكن قد بدأت بالفعل منذ وصوله إلى الحكم؛ فالعالم كله فى حالة حرب عسكرية واقتصادية وإعلامية، واستنفار واستنزاف لكل موارده لصالح شخص واحد كوَّن محورًا مع الدولة الصهيونية، فتصرفاته وسياساته لا تُفسَّر إلا بالعبث. فالرئيس ترامب صاحب شخصية غير مفهومة، مليئة بالتناقضات، تُشبه - بل ربما تتطابق - مع شخصية ميرسو بطل رواية الغريب المصابة بأعراض متلازمة أسبرجر، وهذا ليس من قبيل المبالغة، بل إن حديثه يتطابق مع أقوال ميرسو، وسنذكر أمثلة من بعض أقواله، وما يقابلها من أقوال ميرسو التى تثبت نظريتنا:


قال ترامب فى حديثه الصحفى (26/3/2026) بعد اجتماع مع حكومته:


«لست واثقًا من إبرام صفقة مع الإيرانيين»، يقابلها قول ميرسو: «اليوم ماتت أمى، وربما أمس، لا أدرى»، وكلاهما يدل على عدم اليقين واللا مبالاة!
«الإيرانيون مجانين، ومفاوضون أذكياء، وهم يتوسلون إلينا»، يقابلها قول ميرسو: «ما هو سبب ممتاز للعيش، هو سبب ممتاز للموت»، وهى أقوال تجسد حالة التناقض والاضطراب الذهنى!
«نقيم محادثات مع النظام الجديد فى إيران» (متخيِّلًا سقوط النظام)، يقابله جواب ميرسو عندما سألته محبوبته مارى إن كان يحبها، وأنها تريد الزواج منه: «قلت لها إن ذلك لا يعنى شيئًا، ولكننى لا أظن أننى أحبها، وإذا كانت ترغب فى ذلك، فيمكننا أن نتزوج»، وهى تعبيرات تجسد الانفصال الشعورى تجاه من حولهما، فهما شخصيتان غريبتا الأطوار، كلاهما يتحدث ببرود، وسلوكياتهما تعكس انفصالًا عميقًا عن الواقع الذى يدور حولهما!


• • •
ونختم بكلمة نوجهها لمن يطالب بإلغاء الدراسات الإنسانية فى مراحل التعليم المختلفة: إن من اكتشف الأمراض النفسية «السادية» و«الماسوشية» و«الأسبرجر» ليسوا أطباء، ولم يدرسوا العلوم التجريبية، بل درسوا العلوم الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس؛ فكما حصل أحمد زويل على نوبل، حصل أيضًا نجيب محفوظ على الجائزة نفسها؛ فكل الفلاسفة لعبوا دور الأنبياء فى إصلاح مجتمعاتهم، مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل؛ وأينشتاين، أذكى رجل فى تاريخ البشرية، كان الخيال أساس نظريته النسبية، عندما أثبت أن الزمن هو البعد الرابع للأبعاد المكانية الثلاثة (الطول والعرض والارتفاع) لتشكيل نسيج واحد يُعرف بـ«الزمكان» (Space-time)، ويُعد هذا المفهوم أساس فهم الكون، فليس للعلوم التجريبية وجود فى اكتشاف «الزمن»!


إن إلغاء دراسة العلوم الإنسانية مخاطره بالغة، فعلومها تضبط سلوكيات المجتمع وتصحح انحرافاته، وأكبر دليل على ذلك تفشى ظاهرتى التطرف والإرهاب، المتلازمتين مع أفراد درسوا العلوم التجريبية فقط (الطب والهندسة والكيمياء...)، فقيادات الإخوان مثلًا مثال واضح على ذلك؛ ولذلك، تفرض كل الجامعات المتقدمة فى الغرب على طلابها دراسة مادتين من العلوم الإنسانية، مثل التاريخ والفلسفة والفنون، وذلك لتجنب إنتاج شباب «ضيق الأفق» و«محدود التفكير»، وبالتالى متعصب لرأيه، وهو ما يُسمى بالإنجليزية «narrow-minded»، وبالفرنسية «Borné»!
اللهم إنى قد بلغت، اللهم فاشهد!

أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية) - جامعة الأزهر

 

أكرم السيسى أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية)– جامعة الأزهر
التعليقات