نظام إقليمى متعدد الأزمات - سماء سليمان - بوابة الشروق
السبت 13 يونيو 2026 9:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


نظام إقليمى متعدد الأزمات

نشر فى : السبت 13 يونيو 2026 - 7:00 ص | آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2026 - 7:07 م

 يمر النظام الإقليمى العربى بمرحلة هى الأكثر تعقيدًا منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، حيث تتداخل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية فى مشهد إقليمى مضطرب يعكس حالة من التآكل التدريجى فى قدرة النظام العربى على إدارة التحديات الجماعية أو صياغة استجابات مشتركة لها. وقد أفرزت التحولات الدولية والإقليمية خلال العقدين الأخيرين بيئة استراتيجية شديدة التعقيد جعلت المنطقة العربية نموذجًا لما يمكن وصفه بـ«النظام الإقليمى متعدد الأزمات»، حيث تتشابك الصراعات وتتداخل الفواعل المحلية والإقليمية والدولية بصورة تجعل تسوية أى أزمة رهينة بحسابات تتجاوز حدود الدولة الوطنية نفسها.


تتمثل أبرز مظاهر هذه الحالة فى استمرار عدد من الأزمات المزمنة دون الوصول إلى حلول نهائية، كما هو الحال فى الأزمات الفلسطينية والسورية والليبية واليمنية والسودانية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وقضايا الأمن الغذائى والمائى، وتداعيات التغير المناخى. ولم تعد هذه الأزمات منفصلة عن بعضها البعض، بل أصبحت مترابطة ضمن شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة، بحيث يؤدى تعثر معالجة إحداها إلى تفاقم الأزمات الأخرى.


يعد التنافس الدولى أحد أهم العوامل التى أسهمت فى تعقيد المشهد العربى. فمع التحول نحو نظام دولى يتسم بتراجع الأحادية القطبية وصعود قوى دولية جديدة، أصبحت المنطقة العربية ساحة مفتوحة للتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية المختلفة. وتسعى كل قوة إلى تعزيز نفوذها الاستراتيجى والاقتصادى والأمنى فى المنطقة عبر تحالفات وشراكات متباينة، الأمر الذى ينعكس على مسارات الأزمات الإقليمية ويجعلها أكثر تعقيدًا. ففى كثير من الأحيان تتحول النزاعات المحلية إلى ساحات للصراع غير المباشر بين القوى الكبرى، مما يعرقل فرص التسوية ويطيل أمد الأزمات.


وفى الوقت ذاته، يسهم التنافس الإقليمى فى تعميق هذه الأزمات. فالصراع على النفوذ بين عدد من القوى الإقليمية أدى إلى تسييس العديد من الملفات العربية وتحويلها إلى أدوات لتحقيق مكاسب استراتيجية. وقد نتج عن ذلك تعدد المبادرات وتضاربها، وغياب رؤية موحدة لمعالجة الأزمات، فضلًا عن تعزيز الانقسامات الداخلية فى بعض الدول العربية التى أصبحت مسرحًا لتصفية الحسابات الإقليمية.


من اللافت أن العديد من القوى الدولية والإقليمية لم تعد تسعى بالضرورة إلى إنهاء الأزمات، بقدر ما أصبحت تركز على إدارتها والتحكم فى مساراتها. فإدارة الأزمة أصبحت فى بعض الحالات أكثر ملاءمة للمصالح الاستراتيجية من حلها بشكل نهائى. إذ يتيح استمرار الصراع الحفاظ على مناطق نفوذ، وتأمين مصالح اقتصادية، وتعزيز أوراق الضغط السياسى. ومن ثم تحولت بعض الأزمات العربية إلى أزمات مستدامة يتم احتواؤها عند مستويات معينة تمنع انفجارها الكامل دون الوصول إلى تسوية حقيقية لجذورها.


وتتفاقم هذه الحالة بسبب غياب إرادة عربية جماعية تمتلك آليات تنفيذية واضحة وفعالة. فعلى الرغم من وجود مؤسسات العمل العربى المشترك، فإنها لا تزال تعانى من محدودية الصلاحيات، وتباين أولويات الدول الأعضاء، وضعف القدرة على تنفيذ القرارات الجماعية. كما أن غياب منظومة عربية متكاملة لإدارة الأزمات والإنذار المبكر والوساطة الوقائية أسهم فى ترك المجال مفتوحًا أمام التدخلات الخارجية لتحديد مسارات العديد من القضايا العربية.


إن الخروج من دائرة الأزمات المتعددة يتطلب تبنى أفكار مبتكرة تتجاوز الأدوات التقليدية التى أثبتت محدودية فعاليتها. ومن بين هذه الأفكار إنشاء جامعة الدول العربية بداخلها مجلس عربى للأمن والاستقرار يضم الدول العربية الراغبة فى الدخول فيه، والتى لديها علاقات تقارب مع الدولة العربية التى تمر بالأزمة ليعمل كآلية مؤقتة للوساطة وإدارة الأزمة واتخاذ المبادرات السريعة ويتم تغيير الدول فى المجلس حسب كل أزمة. كما يمكن تفعيل مركز الإنذار المبكر بالجامعة ليعتمد على الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات لرصد مؤشرات النزاعات قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.


كذلك إطلاق «صندوق عربى لإعادة بناء الدول المتأثرة بالصراعات» يربط بين جهود التنمية والاستقرار السياسى، بما يضمن معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المغذية للنزاعات. فالتجارب الدولية تؤكد أن التنمية المستدامة تمثل أحد أهم أدوات الوقاية من الصراعات وإعادة إنتاج الاستقرار.


ومن الضرورى أيضًا تعزيز مفهوم الأمن العربى الشامل الذى لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يمتد ليشمل الأمن الاقتصادى والغذائى والمائى والتكنولوجى. فالتحديات الجديدة التى تواجه المنطقة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد قادرة على بناء مناعة استراتيجية عربية فى مواجهة الاضطرابات العالمية.


وفى الختام، فإن النظام الإقليمى العربى يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخى. فإما الاستمرار فى إدارة الأزمات وتدويرها بما يكرس حالة عدم الاستقرار ويزيد من فرص التدخلات الخارجية، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على بناء إرادة عربية مشتركة ومؤسسات أكثر فاعلية ورؤى مبتكرة لمعالجة جذور الأزمات. فمستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بقدرتها على مواجهة التحديات الراهنة، بل بمدى نجاحها فى تحويل الأزمات المتعددة إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمى عربى أكثر تماسكًا وقدرة على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.

كاتبة ومحللة سياسية

سماء سليمان كاتبة ومحللة سياسية
التعليقات