الإمبراطورية الأمريكية.. سؤال الغروب! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الجمعة 17 أبريل 2026 1:00 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

الإمبراطورية الأمريكية.. سؤال الغروب!

نشر فى : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:55 م

«بقليل من الوقت الإضافى نستطيع فتح مضيق هرمز والاستيلاء على النفط وجنى ثروة هائلة».

هكذا بكل وضوح تحدث الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، تبريرًا لمضيه فى الحرب رغم آثارها الكارثية على الاقتصاد العالمى، كأنه زعيم عصابة مافيا لا كرئيس لقوة دولية عظمى.

تلخص هذه العبارة بالذات عمق الأزمة، التى تمر بها الولايات المتحدة حتى بات مستقبلها كقوة عظمى موضع تساؤل جدى.

لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يطرح سؤال مستقبلها، وإذا ما كانت على وشك الغروب تحت الأفق المشتعل بالنار فى الشرق الأوسط.

فى ستينيات القرن الماضى أطلقت على حروب المنطقة تسمية «أزمة الشرق الأوسط».

التوصيف نفسه بدأ يتسلل إلى الأدبيات السياسية من جديد بقدر اتساع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وفداحة تداعياتها.

«الأهداف الاستراتيجية توشك أن تتحقق».

ماذا يقصد ــ بالضبط؟

لا أحد بوسعه أن يعرف، أو يتكهن بما سوف يقوله بعد دقائق.

«سنعيد إيران إلى العصر الحجرى».

كان ذلك انفلاتا عصبيا آخر بأثر إخفاق حملته العسكرية فى الوصول إلى إنجازات يمكن الإمساك بها والتفاوض على أساسها.

بعد ساعات قليلة أسقط الإيرانيون طائرتين أمريكيتين متقدمتين وطاردوا المروحيات التى هرعت للإنقاذ.

العصبية المفرطة الوجه الآخر لوطأة الإخفاق.

استهداف الجسور والبنى التحتية والمدارس والجامعات والمستشفيات والمنشآت الكهربائية والنفطية ومحطات تحلية المياه أقرب إلى أعمال الانتقام والتخريب دون هدف سياسى سوى جعل الحياة مستحيلة تماما.

إنها جرائم حرب متكاملة الأركان بذريعة إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق «قبل فوات الأوان».

إذا ردت إيران بالمثل، كما تعهدت، فإن الإقليم كله سوف يدخل متاهات لا مخرج منها.

بفوائض الكراهية فإن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يكون أمريكيا كقوة عظمى متنفذة ولا إسرائيليا كقوة تفرض قيادتها عليه.

فى مثل هذه الأجواء يطرح سؤال الغروب نفسه على القوة العظمى الأمريكية، كما لم يحدث من قبل.

إثر الحرب العالمية الثانية انقسم العالم أيديولوجيا واستراتيجيا واقتصاديا إلى معسكرين كبيرين.

تصارع على النفوذ قطبان عظميان هما الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة فيما يعرف بـ«الحرب الباردة»، التى انتهت بانهيار سور برلين وتقوض حلف «وارسو» ــ الذى كان يقابل حلف «الناتو» على الجانب الآخر.

بانفراد القوة الأمريكية بالنظام الدولى تعرض العالم العربى، أكثر من غيره، لما يشبه التحطيم لصالح ما تطلبه إسرائيل، على ما جرى فى العراق مثالا.

تكاد تتقوض الآن جميع ركائز ومقومات القيادة الأمريكية المنفردة للنظام الدولى.

لم تكن الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا فى بدايات الحرب العالمية الثانية، لكن عندما دخلتها بدت حاسمة.

بقوة الحقائق التاريخية بذل الاتحاد السوفيتى السابق أدوارًا وتضحيات أكبر فى دحر ألمانيا النازية، لكنه لأسباب أيديولوجية جرت محاصرته خلف جدار حديدى وأفسح المجال أمام القوة الأمريكية للتمدد إلى أوسع مدى ممكن.

بنت الولايات المتحدة نفوذها اعتمادًا على قوتها الاقتصادية، التى عبرت عن نفسها بالدور، الذى لعبته فى إنعاش الاقتصاديات الأوروبية المنهكة بأثر الحرب والخراب الواسع.

كان مشروع «مارشال» مجرد مثال لنزوع سياسى يعمل على الدمج الاقتصادى وبناء تحالف غربى قوى ومتماسك.

كانت القوة العسكرية ركيزة ثانية، وقد تمثلت فى إنشاء وقيادة حلف «الناتو» وتحمل القسط الأكبر من تكاليف تمويله وتسليحه.

لم يكن تمويل «الناتو» عملًا خيريًا، بقدر ما كان عاملًا رئيسيًا فى بناء صورتها كقوة عظمى.

بدا للأوروبيين أن أفضل ما فى خطاب «ترامب»، الذى ألقاه أخيرا عدم تطرقه إلى مستقبل حلف «الناتو»، الذى دأب على التلويح بالخروج منه ساخرًا من الحلفاء التقليديين إلى حدود غير معهودة فى العلاقات الدولية لدرجة التجريح الشخصى فى الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» وطبيعة علاقته بزوجته.

بالمقابل كان رد «ماكرون»، رغم تهذبه، مهينًا للرئيس الأمريكى، ومنصبه، حيث وصفه بأنه «دون المستوى ولا يستحق التعليق عليه».

كان ذلك تعبيرًا عن انهيار مروع فى صورة ساكن البيت الأبيض.

لم تكن فكرة الانسحاب من حلف «الناتو» جديدة على تفكير «ترامب» ــ تكاليفه لا أدواره هى كل ما يهمه.

عندما احتاج للحلف فى إعادة فتح مضيق هرمز قيل له: «هذه ليست حربنا».

فهو اتخذ قرار الحرب على إيران مع شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» دون استشارتهم.

كما لم تكن هناك مشكلة فى مرور شحنات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجى، والآن تكاد تتلخص أهم أهدافه فى فتح المضيق، الذى لم يكن مغلقًا!

الأوروبيون لا يريدون التورط فى الحرب، غير أنهم لا يملكون خطة بديلة مشتركة تحفظ أمن القارة بعيدا عن الولايات المتحدة.

المثير للاستغراب والتعجب إعلان «ترامب» أن بلاده لا تحتاج النفط الذى يمر من المضيق، وأن على من لهم مصلحة فى فتحه أن يعملوا على تأمينه!

بتوحش السياسات، حقبة بعد أخرى، تقوض ما كان يسمى بـ«الحلم الأمريكى»، الذى جسدته هوليوود قبل أن تحل الكوابيس على العالم خاصة الشرق الأوسط بتبنى ما تريده إسرائيل كاملا.

نذر الغروب تتبدى الآن فى فوضى مراكز التخطيط والقيادة، التى وصلت إلى إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكى «القوات البرية» الجنرال «راندى جورج» أثناء الحرب.

عندما تتكشف أسرار وحقائق ما جرى سوف يظهر جليا قدر الفوضى والتدخلات السياسية بشأن تطوير العمليات العسكرية وتعريض الجنود الأمريكيين للخطر دون داع، أو ضرورة، إذا ما جرى إنزال برى للحصول على اليورانيوم المخصب، أو لفتح مضيق هرمز بالقوة المسلحة.

على مدى (19) دقيقة حاول «ترامب» أن يبدو واثقًا ومقنعًا فى أسبابه لخوض حرب تناهضها أغلبية مواطنيه فى بلاده وفق استطلاعات الرأى العام.

كرر المقولات، التى دأب على ترديدها، عن تدمير القوات الإيرانية، البحرية والجوية، وشل برنامجيها الصاروخى والباليستى، متعهدًا لطمأنة الأسواق بإنهاء المهمة خلال أسبوعين أو ثلاثة دون أن يكون كلامه مصدقا.

إذا كان قد حقق أهدافه من الحرب، فلماذا يواصل القتال؟

هل استهداف البنى التحتية يدخل فى أهدافها؟

بدا خطاب الأزمة داعيا لتأزميها لا حلحلتها، والأداء الرئاسى مزريا حتى بدا سؤال غروب القوة الأمريكية إجباريا.