إن الحادث الذى وقع فى قرية تل، لم يكن هجوما «إرهابيا»، بل كان حادثا عنيفا تطوّر إلى اشتباك مسلح بعد أن قام عشرات المواطنين الإسرائيليين بـ«التجول» فى أزقة قرية تل الفلسطينية الواقعة ضمن المنطقتين (A) و(B) . ووفقا لنتائج التحقيق الذى أجراه الجيش الإسرائيلى، لم يطلب هؤلاء موافقة، أو حماية من الجيش، على الرغم من أن دخول الإسرائيليين إلى مناطق (A)، الخاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة، محظور من دون تصريح صريح من القائد العسكرى المسئول عن المنطقة، ويُعتبر مخالفة قانونية، بموجب القانون الإسرائيلى.
تنقّل المستوطنون فى كلٍّ من المنطقتين (A) و(B)، مع أن المنطقة (B) تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية، بينما تبقى المسئولية الأمنية فيها فى يد الجيش الإسرائيلى، الذى يُعدّ السلطة الأمنية فى الضفة الغربية. ولا تُعتبر كلمة «هجوم إرهابى» وصفا ملائما للشجار الذى تطوّر فى قرية تل بين سكان القرية والمتنزهين، إذ لم يكن هناك تخطيط مسبق، ولم يصل الفلسطينيون إلى الموقع، وهم مسلحون، وهو المكان الذى قُتل فيه الرائد يوڤال عزرا، ونائب منسّق الأمن فى مزرعة غلعاد، بنياهو ميلِط، إلى جانب أربعة فلسطينيين. ولم يتمكن أحد الفلسطينيين من الاستيلاء على السلاح وإطلاق النار على ميلِط وقائد السرية يوڤال إلّا بعد أن نزع نائب منسّق الأمن حزام تثبيت السلاح عن ظهره وعنقه ورفعه بيد واحدة فى أثناء الشجار مع فلسطينيين. يكشف تحقيق الجيش الإسرائيلى فى الحادث أيضا عن عدد من الإخفاقات التكتيكية والدقيقة فى أداء القوة العسكرية، التى تصرفت بالشكل المطلوب عموما، عندما سارعت إلى مساعدة المتنزهين، على الرغم من أنهم ارتكبوا مخالفة صريحة لتعليمات الجيش الإسرائيلى؛ فمن حيث المبدأ، يسمح الجيش بتنظيم زيارات للمنطقة، بشرط أن تكون منسّقة مسبقا، وعلى أن تتم الموافقة على مسارها.
إن تفاصيل هذا الحادث العنيف ووقائعه ليست هى الأهم، بل الحقيقة التى تكشفها، ومفادها بأن الجيش الإسرائيلى، الذى يُعدّ السلطة الأمنية فى المنطقة، لم يعد قادرا على فرض القانون، وكذلك الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك). لقد نشأت مجموعة كبيرة ومتطرفة داخل الحركة الاستيطانية فى الضفة الغربية أخذت القانون فى يدها، وأصبحت صاحبة النفوذ الفعلى على الأرض، وباتت تتصرف فيها كما تشاء، بينما يقتصر دور الجيش الإسرائيلى على توفير الحماية لها، ولتصرفاتها.
وفيما يلى مثال لذلك؛ ففى مطلع الأسبوع الذى وقع فيه الحادث فى قرية تل، اندلع حريق هدّد مزرعة غلعاد، وأكد خبراء الإطفاء والأدلة الجنائية فى الشرطة أن الحريق لم يكن متعمدا، بل نجم عن الإهمال، لكن هذا لم يمنع أفرادا من تلك المجموعة المتطرفة من المستوطنين اليهود من أن يقيموا، منذ ذلك الوقت، 13 بؤرة استيطانية غير قانونية حول مزرعة غلعاد ومنطقة قرية تل الفلسطينية المجاورة، لتنضم إلى نحو مائة بؤرة استيطانية ومزرعة غير قانونية أُقيمت خلال الأشهر الأخيرة فى الضفة الغربية.
ولا يقتصر الأمر على أن الجيش الإسرائيلى والشرطة اللذين تعمل قواتهما أصلا تحت ضغط شديد، لا يزيلان هذه البؤر الاستيطانية، بل إنهما يضطران إلى توسيع نطاق استخدام الوسائل التكنولوجية المكلفة ومنظومات جمع المعلومات الاستخباراتية والدفاع الموجودة فى المنطقة من أجل حمايتها. وكانت المجنّدة المراقِبة التى اكتشفت الرحلة، والتى تعمّد منظموها عدم تنسيقها مع الجيش الإسرائيلى لعلمهم بأنهم لن يحصلوا على تصريح لدخول قرية تل، رصدتها لأنها جرت بالقرب من إحدى هذه البؤر الاستيطانية غير القانونية، التى لم تكن حتى وقت قريب ضمن نطاق مسئوليتها.
• • •
فى الواقع، فقد الجيش الإسرائيلى السيطرة على المتطرفين بين المستوطنين، وأصبح أشبه بشركة أمن تحمى نزواتهم وتصرفاتهم المخالِفة للقانون. وسواء تعلّق الأمر بـ«جولات» استفزازية داخل التجمعات الفلسطينية، أو بإقامة بؤر استيطانية غير مرخّصة، فإن الجيش الإسرائيلى يعمل أيضا تنفيذا لتوجهات سياسيين من اليمين، إذ يستعد حاليا لاحتلال مخيم لاجئين آخر، ومن المرجح أن يكون مخيم بلاطة، من دون وجود ضرورة عملياتية حقيقية لذلك. اليوم، تتمثل المشكلة الأمنية فى الضفة الغربية فى وجود أفراد، أو خلايا صغيرة تنفّذ هجمات، بخلاف ما كان عليه الوضع قبل عامين، أو ثلاثة، عندما كانت تنشط فى مخيمَى جنين وطولكرم تشكيلات مسلحة منظمة تعمل ضمن مجموعات كبيرة وتستخدم العبوات الناسفة وغيرها من الأسلحة.
رون بن يشاى
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية