التمرد فى لواء جفعاتى.. والدرس المستفاد من جولانى - من الصحافة الإسرائيلية - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 8:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

التمرد فى لواء جفعاتى.. والدرس المستفاد من جولانى

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:20 م

مَن يبحث عن جذور التمرد الذى وقع يوم الخميس الماضى فى كتيبة تسابار التابعة للواء جفعاتى، يخطئ إذا ركّز فقط على صور المقاتلين وهم يتركون أسلحتهم فى القاعدة؛ فهذا الحدث لم يولد فى يوم واحد، بل بدأ قبل ذلك بوقت طويل، وتحديدًا فى اللحظة التى حاول فيها الجيش الإسرائيلى إعادة المقاتلين من أهوال الحرب إلى الحياة الطبيعية.

بدأت الحادثة بعد أن أنهت كتيبة تسابار فترة مهمات عملياتية فى الجنوب اللبنانى، وشرعت فى عملية العودة إلى الحياة الروتينية. وفى إطار تفتيش المعدات، مرّ قائد الكتيبة على حاويات سرايا الكتيبة. وبحسب مصادر أمنية، رفض المقاتلون القدامى فى إحدى السرايا السماح له بفتح الحاوية التى كانت تُخزَّن فيها رموز ولافتات مرتبطة أيضًا بما يُعرف فى الجيش الإسرائيلى بـ«ألعاب الأقدمية» والعلاقات بين الجنود القدامى والجدد.

أصرّ قائد الكتيبة على فتح الحاوية، وأخرج منها لافتات ورموزًا قال إنها لا تنسجم مع قيَم وروح الجيش الإسرائيلى، ثم حطّم بعضها. وفى إثر ذلك، قرر أكثر من 100 مقاتل مغادرة قاعدة سديه تيمان احتجاجًا، بعد أن تركوا أسلحتهم داخل القاعدة وغادروها.

وبعد ساعات، عاد معظم المقاتلين إلى القاعدة، بينما بقيت فصيلة واحدة من المقاتلين القدامى فى عداد الغائبين، إلّا إن أفرادها ظلوا موجودين فى المنطقة. ووصل قائد لواء جفعاتى إلى مقر الكتيبة وتحدث مع عدد من المقاتلين. ويعتزم قادة اللواء الاستماع إلى مطالبهم ودراسة دور كل فرد منهم فى الحادثة على حدة.

وهذه ليست المرة الأولى التى يحدث فيها أمر كهذا؛ فمن يريد فهم ما يجرى اليوم فى لواء جفعاتى، عليه أن يعود نحو عقدين من الزمن إلى الوراء، إلى الكتيبة 51 التابعة للواء جولانى، بعد حرب لبنان الثانية. وكان ديفيد زينى، الذى يشغل اليوم منصب رئيس جهاز الشاباك، تسلّم كتيبة منهكة ومثقلة بالخسائر آنذاك. يومها، تكبّدت الكتيبة 51 فى معركة بنت جبيل خسائر فادحة؛ إذ قُتل عدد من المقاتلين والقادة، وفى مقدمتهم نائب قائد الكتيبة. عاد الجنود من القتال وهم لا يحملون معهم آثار الجروح الجسدية فحسب، بل أيضًا واقعًا نفسيًا مختلفًا. وبعد فترة قصيرة، اندلعت فى الكتيبة حركة تمرّد قادها المقاتلون القدامى. وكان شيران أمسالى، الذى قاد الاحتجاج، أحد أبطال معركة بنت جبيل، ومُنح وسام تقدير عسكرى لشجاعته وأدائه فيها. غادر عشرات المقاتلين قاعدة تساليم، احتجاجًا على الطريقة التى شعروا بأن المؤسسة العسكرية تعاملت بها معهم بعد الحرب. ولم يكن الأمر يتعلق بجنود يكرهون الدولة، أو الجيش، بل بأشخاص دفعوا ثمنًا باهظًا فى ساحة المعركة ووجدوا صعوبة فى الانتقال المفاجئ من أهوال الحرب إلى الحياة الطبيعية.

إن ثلاثة أعوام من الحرب مدة طويلة جدًا، ولا بد من أن تترك آثارها؛ لقد أدت إلى تآكل بعض الركائز الأساسية فى جاهزية المقاتل، كذلك أفرزت الحرب أعرافًا جديدة وأنماطًا فى السلوك والعمل نشأت من واقع العمليات العسكرية، ولا أحد يختلف على ضرورة إعادة الجيش إلى روتينه المعتاد، والعودة إلى الأسس، وتعزيز المعايير والانضباط العسكري، لكن السؤال هو: كيف يتم ذلك؟

لقد أخطأ قائد الكتيبة فى أسلوب تعامُله عندما حطّم الرموز واللافتات، لأن ذلك ليس من مهماته، وبالتحديد لأنه يُعد ضابطًا مهنيًا وصاحب قيَم، وكان يعرف الكتيبة جيدًا منذ أن كان نائبًا لقائدها، يبدو كأنه حاول إحداث التغيير بسرعة كبيرة، وبأسلوب مباشر أكثر مما ينبغي. وبلغة عسكرية، حاول أن يواجه مشكلة معقدة بشكل مباشر، فوجد نفسه فيما يشبه «الكمين».

لكن المسئولية لا تقع على عاتق قائد الكتيبة وحده؛ فالسؤال الأكبر هو: أين كان قادة الفصائل وقادة السرايا؟ كان من المفترض أن يشكلوا حلقة الوصل؛ والشرح لقائد الكتيبة الحالة المعنوية السائدة داخل الكتيبة، وفى الوقت نفسه، التوضيح للمقاتلين أهداف القيادة. وعندما تعجز هذه الطبقة القيادية عن أداء دورها، ينشأ فراغ، وهذا الفراغ يملؤه قادة الميدان.

فعلى مدى ثلاثة أعوام من الحرب، كان أمناء السرايا (الرقباء المسئولون عن شئون السرية) والمقاتلون القدامى، فى كثير من الأحيان، هم الذين يديرون فعليًا الحياة اليومية داخل السرايا والكتيبة. وأصبحوا مصدر الثقة والدعم للمقاتلين، واكتسبوا نفوذًا وتأثيرًا كبيرين. وعندما لا تقود القيادة الرسمية عملية التغيير، يتحول هؤلاء إلى قيادة فعلية على أرض الواقع. وهذه الظاهرة يمكن فهم أسبابها، لكنها فى الوقت نفسه، تنطوى على مخاطر

يجب القول بوضوح إن الطريقة التى اختارها مقاتلو كتيبة تسابار للاحتجاج كانت خاطئة ومرفوضة؛ فتركُ الأسلحة يُعد تجاوزًا لخط أحمر لا يجوز تخطّيه، لكن مَن يكتفى بإدانة المقاتلين وحدهم يفوّت الدرس القيادى الحقيقى.

ففى ساحة القتال، يمكن شن الهجوم بالقوة؛ أمّا مع المقاتلين القدامى الذين عادوا بعد ثلاثة أعوام من الحرب، فلا يمكن التعامل معهم بعقلية الهجوم، أو فرض السلطة وحدها. هنا تبرز الحاجة إلى فن القيادة، حيث يُعاد بناء الثقة والانضباط والقيادة بالتدريج.

يوسى يهوشواع

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

من الصحافة الإسرائيلية أبرز المقالات من الصحف الإسرائيلية
التعليقات