انتهت حرب السابع من أكتوبر فعليا مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فى 10 أكتوبر 2025، استنادا إلى خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين؛ فركزت المراحل الأولى من الخطة على إعادة الرهائن والانسحاب الإسرائيلى إلى الخط الأصفر.
ومنذ استكمال المرحلة الأولى، تشكّل على الأرض واقع مزدوج: فمن جهة، ساد مناطق السيطرة بين إسرائيل وحركة «حماس» وضع مستقر نسبيا، ومن جهة أُخرى، استمر الجمود الدبلوماسى العميق بشأن استكمال تنفيذ خطة النقاط العشرين، التى أُدرجت ضمن قرار مجلس الأمن الرقم 2803.
وعلى الرغم من الإطار الدولى الواضح، فإن مستقبل قطاع غزة لا يزال من دون حل؛ حركة «حماس» ترفض نزع سلاحها ونقل السلطة إلى جهات مدنية، فى حين ترفض إسرائيل الانسحاب إلى خط أمنى إضافى، بحسب نصّ الخطة.
• • •
من وجهة نظر «حماس»، فإن الوضع القائم الحالى هو حالة من الجمود (الستاتيكو القائم) التى لا يمكن أن تستمر إلى الأبد؛ كذلك تشكك الحركة فى شرعية «مجلس السلام»، معتبرةً أنه «يميل إلى جانب المحتل (إسرائيل)، أكثر من ميله إلى جانب الواقع تحت الاحتلال».
بالنسبة إلى حركة «حماس»، انتهت الحرب بانتصار على المستويَين المعنوى والإدراكى، ويتضح ذلك من الكتيّبين اللذين أصدرتهما الحركة؛ الأول فى يناير 2024، والثانى فى ديسمبر 2025، إذ تركزَ معظم الإنجازات، التى تعددها «حماس»، على الجانبين المعنوى والسياسى. وتؤكد الحركة عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وتشديد العقوبات المفروضة عليها، وتراجُع التأييد لها فى الرأى العام الأمريكى، وفى الجامعات الأمريكية، فضلا عن الإجراءات القانونية الدولية ضدها، وفى مقدمتها أوامر توقيف بحق مسئولين إسرائيليين.
فى المقابل، تعترف «حماس»، بصورة غير مباشرة، بهزيمة تكتيكية على الصعيد العسكرى، لكنها تصر على أنها لم تُهزم استراتيجيا؛ ففى مقال نشره رامى أبو زبيدة فى موقع «المركز الفلسطينى للإعلام» التابع لـ«حماس»، توصف الحركة ومحور المقاومة بأكمله بأنهما كيان مرن قادر على التكيف مع المتغيرات بسهولة أكبر، بينما تُصوَّر إسرائيل على أنها تمتلك قوة عسكرية كبيرة، لكنها تفتقر إلى القدرة على تحقيق إنجاز استراتيجى مستدام، ولا تحقق سوى مكاسب تكتيكية محدودة زمنيا. وبعبارة أخرى، ترى «حماس» أنها ليست قوة يمكن ردعها، حتى وإن تعرضت لهزيمة عسكرية، وأنها ستتمكن، عندما تحين الفرصة، من إعادة بناء قدراتها واستئناف استهداف المدنيين الإسرائيليين.
وفى المقابل، فتح الضعف العسكرى الحالى لـ«حماس» نافذة فرصة سياسية أمام محمود عباس؛ ففى إطار إصلاح السلطة الفلسطينية، ووفقا لشروط خطة النقاط العشرين، أعلن عباس أن سنة 2026 ستكون سنة الانتخابات الخاصة بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وتشمل انتخابات المجلس الوطنى الفلسطينى، الذى يُعد بمثابة برلمان منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، وكذلك انتخابات المجلس التشريعى الفلسطينى، التى جرت آخر مرة فى يناير 2006، عندما فازت «حماس» بالأغلبية.
• • •
وحُدد شهر نوفمبر 2026 موعدا للانتخابات، بحيث تُجرى انتخابات المجلس الوطنى أولا، ثم انتخابات المجلس التشريعى. ويدرك عباس جيدا أن إشراك «حماس» وحركة الجهاد الإسلامى فى الانتخابات، بعد حرب السابع من أكتوبر، سيؤدى إلى تداعيات دولية خطِرة، من بينها الإضرار بالمساعدات المالية، وازدياد الضغوط من الدول الداعمة، واتخاذ إجراءات مضادة من إسرائيل والولايات المتحدة. وبسبب اعتبارها منظمة مصنفة «إرهابية» فى معظم دول العالم، فقدت «حماس» فعليا شرعيتها السياسية للمشاركة فى الانتخابات الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر.
كذلك تُعتبر الانتخابات ركيزة أساسية فى برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية الهادف إلى تلبية متطلبات خطة النقاط العشرين، التى تعتبر إجراء الانتخابات العامة للمجلسين الوطنى والتشريعى ورئاسة السلطة الفلسطينية شرطا ضروريا على طريق الاعتراف بدولة فلسطينية مستقبلا.
وبناءً على ذلك، إذا أُجريت الانتخابات فعليا فى 28 نوفمبر 2026، فقد تمثل هزيمة سياسية ذات دلالة استراتيجية لـ«حماس»، لأنها لم تشارك فيها؛ فبعد عشرين عاما، يعود الفلسطينيون إلى انتخاب ممثليهم، فما الذى يمكن أن يكون أكثر ديمقراطيةً من زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعى إلى مائتى عضو، بما يتيح تمثيلا أوسع للآراء، وإجراء انتخابات المجلس الوطنى فى الأول من نوفمبر 2026، تليها انتخابات المجلس التشريعى فى الثامن والعشرين من الشهر نفسه، ثم انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية فى مطلع سنة 2027.
• • •
فى المقابل، تعمل «حماس» والفصائل المؤيدة لها بنشاط على تقويض شرعية الانتخابات المرتقبة؛ ففى مقال رأى نشره «المركز الفلسطينى للإعلام»، كتب محمد شاهين أن «الأمر لا يتعلق برفض الديمقراطية، بل بالدفاع عن معناها الحقيقى..» ويرى أن إجراء انتخابات فلسطينية، من دون مشاركة حزب إسلامى يمثل «حماس» والجهاد الإسلامى، يتعارض مع إرادة الشعب الفلسطينى، وسيؤدى إلى تعزيز حركة «فتح».
وتدرك «حماس»، استنادا إلى خبرتها فى الانتخابات السابقة، أنه لا يمكن التنبؤ بموعد إجراء انتخابات جديدة؛ لذلك فإن استبعادها من انتخابات 2026 ليس حدثا عابرا، بل يمكن أن تترتب عليه آثار طويلة الأمد؛ كذلك تشن مقالات أُخرى فى الموقع نفسه هجوما مباشرا على محمود عباس وسلطته...
وحتى الآن، يبدو كأن محمود عباس مصمم على إجراء الانتخابات فى موعدها، مع اشتراط السماح بالمشاركة فقط للأحزاب السياسية التى تعتمدها لجنة الانتخابات المركزية فى رام الله. ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات أيضا فى قطاع غزة، إلّا إن الكيفية العملية لتنظيمها لا تزال غير واضحة.
ويعنى ذلك أنه على الرغم من استمرار تمتُّع «حماس» بتأييد شعبى واسع بسبب هجوم السابع من أكتوبر، فإنها لا تمتلك قناة سياسية رسمية لتحويل هذا التأييد إلى قوة سياسية فى الانتخابات المقبلة، باستثناء خيار مقاطعة الانتخابات. وتُظهر تجربة سنة 1996 أن مقاطعة «حماس» والجهاد الإسلامى للانتخابات لا تعنى بالضرورة نزع الشرعية عن العملية الانتخابية، فى نظر أغلبية الأطراف الدولية.
وبناءً عليه، يمكن القول إن «حماس» مُنيت بهزيمة أيضا على الساحة الفلسطينية الداخلية؛ فحتى إن كانت تؤكد أنها حققت انتصارا معنويا، وتتمسك برواية الصمود فى مواجهة إسرائيل، فإنها لا تمتلك قدرة حقيقية على التأثير فى النظام السياسى الفلسطينى، عبر المشاركة فى الانتخابات والحصول على تمثيل مؤسساتى معترَف به، على غرار ما كانت عليه الحال فى الانتخابات السابقة للرئاسة والمجلس التشريعى الفلسطينى. هذه الفجوة بين «الانتصار المعنوى» وبين الخسارة السياسية الفعلية تُعد إحدى السمات العميقة للواقع الذى تشكّل فى أعقاب حرب السابع من أكتوبر.
شاؤول برطال
مركز بيجن - السادات للدراسات الاستراتيجية
مؤسسة الدراسات الفلسطينية