«لا يولد أحد وهو يكره إنسانًا آخر.. بل يتعلم الناس الكراهية، وإذا كان بإمكانهم أن يتعلموا الكراهية فيمكن تعليمهم الحب». نلسون مانديلا
بين الغفوة والصحيان تبحث سريعًا عن أى معلومة تفيد فى تفسير تلك الليلة الطويلة مع أصوات القصف أو المضادات.
.. تتفقد أحبتك لتطمئن عليهم، ثم تباشر روتين يومك كالمعتاد فى انتظار دوى صفارات الإنذار مجددًا أو صوت انفجار يسبقها بدقائق. لا شىء سوى صفارات الإنذار تدوى أقوى من أى صوت آخر، والحرب مستمرة وممتدة. بدأت تعتاد عبثية اللحظة، فلا تعمل على تفسيرها ولا الإجابة عن السؤال الذى يكرره عليك كل من يتصور أن لديك إجابة شافية، أو حتى إذا كانوا مدركين أنك بعيد عن غرف العمليات، إلا أنهم يبحثون عن بارقة أمل لنهاية قريبة لكل هذا الخراب. فى هذه اللحظة تتصارع الكلمات البغيضة لتنافس عدد الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من الأسلحة الفتاكة. أتبدو الحرب على أكثر من جبهة، وأكثرها خطورة حرب الكلمة فى خطاب الكراهية؟ تبحث فى المعجم والقاموس لتجد للكراهية مرادفات: كل ما تعلمناه من مفردات؛ العداء، الخصومة، التنافر، المقت، البغضاء، وغيرها كثير، إلا أن ما قرأناه وسمعناه ورأيناه من خطاب للكراهية فاق كل معرفتنا اللغوية، ليس فى اللغة العربية فقط بل فى كل اللغات الحية والميتة أيضًا!
• • •
الكراهية غالبًا ما تبدأ بالكلمة قبل أن تتحول إلى فعل. كثير من الحروب لم تنشب بسبب خلافات مباشرة على الأرض فقط، بل بسبب سرديات صُنعت أو فُسرت بشكل خاطئ، وانتشرت بين الناس فصدقوها، فأصبحت حقيقة «مطلقة» فى وجدانهم، رغم أنها فى الأصل مبنية على معلومات ناقصة أو تحريفات مقصودة. هذه السرديات تبسط الواقع المعقد، تصنف الناس إلى «نحن» و«هم»، وتحوّل الآخر إلى تهديد وجودى، ما يمهد الطريق للعداء والعنف. ويسهل أن يقول أحدهم بكل بساطة إنهم لا يشبهوننا، أو إنهم أعداء لنا، أو حتى يكرروا «لماذا يكرهوننا؟» فيكون الرد علينا طردهم فليعودوا إلى أوطانهم!!! ألم يفعل ذاك الجالس فى البيت الأبيض «شرطى العالم» الذى يتصرف كرئيس لعصابة من المافيا؟ ألم يقم بطرد الكثيرين من «جنة أمريكا» فقط لمجرد أن بشرتهم سمراء «لا تشبهنا»!!
• • •
صناع الحروب والمصالح الكبرى يعرفون جيدًا قوة الكلمة قبل القوة العسكرية، لذا يستخدمون خطاب الكراهية كأداة فعالة لتعبئة الجماهير وكسب الدعم الشعبى لصالح أهدافهم. يبدأ هذا الخطاب غالبًا بتبسيط الواقع وتصوير الآخر بوصفه تهديدًا وجوديًا، أو خصمًا أخلاقيًا، أو عقبة أمام «قيمنا» أو «أمننا»، أو ربما مجرد «خائن للوطن»، حيث يُخوَّن الفرد دون براهين أو إثباتات، وحيث تتحول وسائل التواصل إلى الفصل والحكم. حين تُعاد هذه الصورة مرارًا فى الإعلام، وخطابات السياسيين، والأدب الشعبى أحيانًا، تصبح الكراهية مبررة اجتماعيًا، وتقل مقاومة الناس لتبنيها، بل ينتصر صناع الحروب فى تشتيت الانتباه عن الأهداف الحقيقية الاقتصادية والسياسية والتوسعية للحرب، وحتى الأخلاقية أو سقوط القيم والمبادئ فى مستنقع المصالح.. فتتحول الحرب على الصعيد الشعبى إلى مجرد حرب مذاهب، أو طوائف، أو قناعات، أو مصالح، وتختلط الأوراق فيُصنَّف الأخ على أنه عدو، ويصبح العدو صديقًا حميمًا!!! ويُستخدم الدين لخدمة خطاب الكراهية، وكأن الدين، بل كل الأديان، لم تُبنَ على المحبة والأخوة!
• • •
عندما يسود الخوف وتصبح أصوات المضادات أقوى من تغريدات العصافير، وتتحول السماء إلى سواد قاتم بدلًا من زرقة مبهجة فى أزمنة القلق، يصبح «الآخر» هدفًا سهلًا. تُعاد صياغته فى الخطاب العام لا كفردٍ له حقوق، بل كخطرٍ محتمل، كعبءٍ على الدولة، أو كتهديدٍ للهوية. ومع تكرار هذه اللغة، تتحول تدريجيًا من رأيٍ متطرف إلى موقفٍ مقبول، ثم إلى سياسةٍ قابلة للتنفيذ. وهنا تكمن الخطورة: حين تنتقل الكراهية من مستوى الكلمات إلى مستوى القوانين والإجراءات وتقسيم المجتمعات، بل والأحياء الصغيرة، وربما حتى ما كنا نتصوره يجمعنا من مشاعر قومية أو تاريخية أو حضارية.. كلها تتبدد عندما يهيمن الخوف، ويصبح لا صوت يعلو فوق صوت الحروب القادمة من جعبة المستعمر القديم – الجديد.. ويل لأوطان، بل لأمم، تغلفها الكراهية، ويبتعد عنها الحب والمعرفة أيضًا.
كاتبة بحرينية