أمضينا النهار كله دون أن نعلم أين سنقيم؟!
فمدينة سرت التى استضافت أعمال القمة العربية الثانية والعشرين فى مارس 2010 لا يوجد بها العدد الكافى من الفنادق أو دور الضيافة لاستقبال ضيوف القمة، وقبل الغروب بقليل كان المسئولون فى وزارة الإعلام الليبية يبشروننا بأن الفنادق العائمة قد وصلت إلى شاطئ سرت، أثارت «البشرى» دهشتنا لكننا لم نناقش فالمهم الآن أن نتوجه إلى حيث سنبيت ليلتنا، بعد يوم شاق بدأناه فى طرابلس وأكملناه بالعمل على تحضيرات القمة واجتماعاتها التمهيدية فى سرت.
كان «الفندق العائم» الذى خصصته السلطات الليبية لعدد من أعضاء الوفود الإعلامية «إيطاليًا» من فئة النجوم الخمس، لكن عدد حجراته لم تستوعب الجميع فكان «الخيار الإجبارى» أن يتشارك شخصان فى الغرفة ذات السريرين الصغيرين، وقد تشاركت الغرفة مع الزميل والصديق عبد القادر خروبى.
وبعد أقل من ساعة كنا جميعا على سطح الفندق العائم فى «جلسة سمر» دار الحديث فيها عن كل شىء إلا أخبار القمة وجدول أعمالها
كان الزميل أكرم خزام قد غادر قناة الجزيرة قبلها بسنوات واستقر به المقام مراسلا لقناة الحرة، وبروحه الساخرة وصوته المميز، حول «سطح الفندق العائم» إلى مسرح صغير استعرض فيه قدراته التمثيلية فى تقليد الزعماء العرب، مذكرا بسؤالى فى ختام قمة الدوحة: ترى إلى أين سيمضى قطار العرب؟!
كان اليوم التالى مخصصا لاجتماع وزراء الخارجية، واجتماع لجنة مبادرة السلام العربية التى للمفارقة كانت ليبيا ضدها.
وصل القادة المشاركون فى القمة وكان الحديث الدائر فى الكواليس يتمحور حول نقطتين، الأولى: «رابطة الجوار العربى» التى اقترحها الأمين العام عمرو موسى، والثانية: مشاركة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الذى كانت بلاده تتمتع بحضور مميز ومتنامٍ فى ليبيا.
النقطة الأولى حظيت بنقاش معمق على مستوى وزراء الخارجية والقادة على حد سواء وكانت تتلخص فى تشكيل رابطة إقليمية تربط الدول الإقليمية الصديقة ودول جامعة الدول العربية، تتأسس على تعظيم المصالح المشتركة وتحقيق الأمن لمجمل دول الرابطة، وكان اقتراح موسى أن تضم هذه الرابطة دولاً من بينها إثيوبيا وتشاد وإيران وتركيا، كما دعا إلى إطلاق حوار عربى إيرانى ووافق القادة المشاركون على فكرة الرابطة.
أما النقطة الثانية والمتعلقة بحضور الرئيس التركى رجب طيب أردوغان لأعمال القمة وإلقائه كلمة أمام القادة العرب فكانت هى الأخرى محل جدال واسع النطاق فى الكواليس، خاصة بعد أن حملت كلمة أردوغان هجوما لاذعا وانتقادا حادا لإسرائيل وهو ما قوبل باستحسان فى أروقة القمة وفى أوساط الصحفيين العرب.
بعد قليل من بدء اجتماع القادة فوجئت بالزميل الحبيب الغريبى يخبرنى بأن السيدة بثينة شعبان مستشار الرئيس السورى تبحث عنى فذهبت إلى حيث تقف السيدة بثينة فى البهو المؤدى لقاعة الاجتماع، فقالت لى: أريدك فى أمر هام، واصطحبتنى إلى حجرة مجاورة لتخبرنى بأن اجتماع القادة قد شهد سجالا بين الرئيس بشار الأسد والرئيس محمود عباس أبو مازن، حيث أشار الرئيس الأسد إلى ضرورة دعم فصائل المقاومة معتبراً أن المقاومة هى الخيار الاستراتيجى للعرب والفلسطينيين، فيما أكد الرئيس عباس أهمية التمسك بالخيار السلمى.
وبعد أن أنهت كلامها قلت لها: حسنا سأنقل هذا الكلام على لسانك.
فقالت : لا، لا تذكر اسمى ويمكنك نسبه إلى مصادر من داخل الاجتماع.
كانت خبرتى فى التعامل مع المسئولين السوريين فى اجتماعات الجامعة العربية، أنهم يسربون الأخبار ثم يتنصلون منها، فخشيت أن تُكَذِب «بثينة شعبان» لاحقا ما أخبرتنى به.
فشكرتها وأخبرتها بأننى سأتعامل مع الأمر، لكن قبل أن أذيع أخبار هذا السجال بين الأسد وعباس، سألت أحد أعضاء الوفد الفلسطينى الذى كان قد خرج من غرفة اجتماع القمة بعد حديثى مع السيدة بثينة بدقائق، وقد بدا متجهما، فوصف ما يفعله الوفد السورى بالمزايدة المعتادة، ففهمت أن ما نقلته بثينة شعبان لى كان صحيحا، ثم قال لى صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات آنذاك: إننا فى مرحلة تقييم الوضع بشكل كامل، فيما قال لى وليد المعلم وزير الخارجية السورى إن بلاده كانت ضد المفاوضات غير المباشرة وكانت وحدها ومازالت، وقد ثبت صحة موقفها بعد أن قررت إسرائيل توسيع الاستيطان بالقدس الشرقية.
وانتهت القمة فجأة بعد جلسة علنية خلت من كلمات القادة، لكن بقيت الصورة التذكارية للقادة المشاركين فى القمة واحدة من أشهر صور القادة العرب، إذ بعد أقل من عام كان بعضهم قد أجبر على ترك الحكم، وبقى السؤال الموجع يتردد إلى أين يمضى قطار العرب؟