والله إنك لمجنون يا سعد، تُقدم على دولة عظمى، خرجت منتصرة من حرب عظمى، وتملك كل شىء، وأنت لا تملك شيئا ثم تنتصر عليهم... أنت يا سعد... والله إنك لمجنون يا سعد.
فأما سعد الموصوف هنا بالجنون فهو الزعيم المصرى الكبير سعد زغلول.
وأما من وصفه بالجنون فهو القمص سرجيوس خطيب ثورة 1919 وأول قبطى يصعد منبر الجامع الأزهر ليخطب فى المصريين ويحثهم على الثورة ضد الاحتلال البريطانى.
كان القمص سرجيوس ابن زمانه، حيث تشكل وعيه فى مرحلة البحث عن الذات الوطنية والهوية القومية، إذ كان ميلاده عام 1883 فى العام التالى لهزيمة الثورة العرابية واحتلال بريطانيا لمصر.
وهو كما يقول الدكتور محمد عفيفى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر فى دراسته المهمة «الدين والسياسة فى مصر... القمص سرجيوس» الصادرة عن دار الشروق، نشأ فى عائلة دينية إذ كان أبوه وجده قساوسة، وقد ظهرت عليه علامات النبوغ منذ صباه، كما كان يتمتع بروح متمردة وقدرات قيادية دفعته لتزعم احتجاج لطلبة المدرسة الإكليريكية التى كان يدرس فيها بالقاهرة للمطالبة بإصلاح المدرسة وتحسين أحوال الدارسين فيها
تدرج سرجيوس فى السلك الكنسى حتى تمت ترقيته إلى درجة «قمص» عام 1907 ثم انتقل بعدها بنحو خمس سنوات للعمل فى السودان وكيلا للمطرانية القبطية، وفى السودان نجح بالتعاون مع عدد من المسلمين فى التصدى لفتنة طائفية ظهرت على خلفية اغتيال بطرس غالى باشا فى القاهرة.
كما أصدر هناك مجلة سماها «المنارة المرقسية» وكان يستخدمها فى التصدى للفتنة الطائفية والدعوة إلى المحبة والتسامح بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما أغضب الإنجليز بالطبع فقرروا إعادته إلى مصر بل وإلى مسقط رأسه فى جرجا عام 1915 أى قبل اندلاع الثورة بأربع سنوات.
وأما اغتيال بطرس غالى باشا على يد إبراهيم الوردانى فقد جاء ردا على دوره المشين فى «محكمة دنشواى»، إذ ترأس المحكمة التى قضت بإعدام فلاحى القرية، هذا إلى جانب وقائع عديدة أظهر فيه انحيازه للاحتلال فى مواجهة بنى وطنه، المهم فقد منحت هذه الواقعة الاحتلال البريطانى فرصة ذهبية لبث الفتنة فى صفوف المصريين على اعتبار أن القتيل مسيحى والقاتل مسلم، حتى إنهم حاولوا تثبيت الفكرة فى أذهان العوام بأن ساهموا فى نشر هتاف شعبى يقول : «عشت يا وردانى ياللى قتلت النصرانى» لكن سرعان ما انتبه المصريون للحيلة البريطانية وحولوا الهتاف إلى: «عشت يا وردانى ياللى قتلت البريطانى».
فى هذه السنوات سعى الاحتلال البريطانى إلى زرع الفتنة فى صفوف المصريين لخلق بؤر توتر دائمة وفقا لمبدَئِهم الاستعمارى «فرق تسد»، واعتمدت سلطة الاحتلال كما يقول «أبو سيف يوسف» فى كتابه المهم «الأقباط والقومية العربية» على بعض الصحف القبطية الموالية لسياستها مثل جريدتى «الوطن» و«مصر» فى إثارة الشقاق الطائفى فقد أخذت الجريدتان جانب الجنود الإنجليز الذين اعتدوا على الفلاحين فى قرية دنشواى كما طالبت بحق القبط فى الوظائف الإدارية وبزيادة جيش الاحتلال، وقام فريق من وجهاء الأقباط يعارضون مطلب الدستور بحجة «أن البلاد لم تنضج بعد لهذا الإجراء» لكن القيادات القبطية الوطنية وقفت ضد هذه الاتجاهات والتقوا مع مواطنيهم المسلمين فى مؤتمر عام دعا إلى وحدة العنصرين، وفى نادى الطلبة الأقباط رفع الطلبة الأقباط العرائض مطالبين بالدستور.
غير أن صحيفة «الوطن» الموالية للسياسة البريطانية عادت سنة 1908 لنشر بعض مقالات منها ما تضمن حملة على الإسلام وعلى العرب فردت عليها جريدة «اللواء» لسان حال الحزب الوطنى ردا بلغ من العنف ضد القبط مبلغا دعا قيادة الحزب إلى أن تعلن أن المقال لا يعبر إلا عن كاتبه، وفى ذات السياق استمر الحزب المصرى بقيادة «أخنوخ فانوس» يوسع من مساحة الشقاق فحاول أن يوهم صغار الموظفين الأقباط بان حزبه إذ يعمل على تأمين وضع الإنجليز فى البلاد فإنما يفعل هذا لعلمه بأن جلاء الإنجليز ينطوى على خطر فقدان القبط لوظائهم
فى النهاية نجحت الحركة الوطنية التى كان القمص سرجيوس أحد كوادرها فى مواجهة الفتنة وخرج المصريون فى ثورة 1919 صفا واحدا فى مواجهة الاحتلال البريطانى.
لكن هل توقفت محاولات إثارة الفتنة الطائفية فى مصر؟
للأسف لم تتوقف، وللأسف أيضا سقط البعض فى فخاخ الإثارة فباتوا يبحثون دائما عما يغذى هذا التوجه
لكن وكما سحق المصريون دعاة الفتنة فى السابق فإنهم قادرون على التصدى لدعاة الإثارة حاليا.